هازار العبيدي: استخدام “اللغة الشاملة” في الإعلام أكثر إنصافاً للنساء

بين وسائل الإعلام التونسية، يتميز موقع “انكفاضة” بتقديم تجربة متميزة ومغايرة. فبالإضافة إلى الغوص عميقاً في تفاصيل الثقافة الشعبية التونسية، واستكشاف المناطق المسكوت عنها مجتمعياً وسياسياً وثقافياً، فإن الموقع أيضاً، ومنذ عدة أشهر، بدأ بخوض تجربة جديدة تتعلّق هذه المرة بتفاصيل اللغة المستخدمة في كتابة الموضوعات والقصص. تستخدم هذه التجربة ما يطلق عليه اللغة “الشاملة” أو “الجامعة” والتي تفصل ضمائر المخاطبين/ات من النساء والرجال، بدلاً من استخدام صيغة المذكر الدارجة والتي تشمل النوعين الاجتماعيين كما اعتدنا في اللغة العربية. ويرى القائمون على الموقع أن هذا الأسلوب يمثل مرحلة من مراحل “العدالة الجندرية” التي تعتبر من أبرز المحاور التي يهتم بها فريق العمل.

حول هذه التجربة، وأثرها على جمهور القراء، وردود الفعل حولها، كان لنا هذا الحوار مع “هزار عبيدى” المنتجة وصانعة المحتوى بموقع “انكفاضة، والمشاركة أيضاً في مشروع “البودكاست” الذي يقدمه الموقع.

كيف بدأ تطبيق فكرة استخدام اللغة الشاملة أو الجامعة بالموقع؟ 

أغلب اللغات تستخدم المصطلح المذكر للتعبير عن الرجل والمرأة، وتعتبر أن صيغة المذكر هي نوع من الحياد اللغوي، وهذا الأمر يمثل مشكلة للمهتمين/ات بالقضايا النسوية، لأنه إذا كان المذكر هو “المحايد”، فلماذا لا ينطبق ذلك على “التأنيث”؟، وفي اللغة العربية هناك قاعدة تقول إن التذكير هو الأصل، والتأنيث هو الاستثناء، وبالعودة إلى بعض الأعمال الأدبية مثل كتاب جورج أورويل 1984، يمكن أن نفهم كيف تشكل اللغة النفسية الجماعية، والمخيلة الجماعية.

عندما بدأنا، كنا نتحرك في إطار فكرة فلسفية واسعة دون فكرة واضحة عن التطبيق؛ كنا نريد أن تكون اللغة المستخدمة أكثر إنصافاً للنساء، ونظرنا إلى بعض التجارب في دول أخرى، وحتى في موقع إنكفاضة في نسخته الفرنسية، حيث يتم استعمال ما يسمى باللغة الشاملة أو الجامعة. وإيماناً من غرفة التحرير أنه حتى إذا لم تكن اللغة الشاملة هدف في حد ذاتها، لكنها يمكن أن تكون نوع من “العدالة الجندرية الانتقالية”؛  فإبراز النساء باستخدام اللغة، ونزع السطوة الذكورية عنها، ليس هدفاً في حد ذاته. أنا أحلم بعالم يكون فيه النوع الاجتماعي مجرد “تفصيلة”، وحتى لا يكون حصر المصطلحات المعبرة عن النوع في هو وهي، لأن العالم يحتمل تنوع أكثر من هذا بكثير.

هل إبراز هذه “التفصيلة” بشكل لغوي أكثر أهمية من إبراز قضايا النساء؟ 

هذا سؤال فلسفي، ولا يمكن الإجابة عليه بشكل حاسم لأنه لا يوجد اتفاق هل يشكل الواقع اللغة أم العكس؟ 

بعد التطبيق العملي لفكرة “اللغة الجامعة” لأكثر من سنة كيف تقيمين التجربة؟

بدأنا العمل في هذا الاتجاه منذ كانون الأول/ديسمبر 2019 وكنا نتوقع ردود فعل سلبية باعتبارنا نتجرأ على اللغة العربية التي لها قدسية باعتبارها لغة القرآن الكريم، كمرجع لغوي. والمدهش أنه لم نتلق أي رد فعل سلبي، ووسائل الإعلام التونسية، التي لديها التزام بطرح القضايا العادلة، تعرض هذه التجارب على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بها حتى لو لم يكن لديها توجه نسوي واضح.

 وعندما قمنا بتقديم “اللغة الجامعة” لأول مرة كانت الفكرة نتاج مقابلات ونقاشات بين انكفاضة مع العديد من وسائل الإعلام التونسية والعربية والمنظمات المختلفة؛ لذلك فهذه التجربة ليست نتاج تجربة فردية لنا لكنها نتاج لأفكار موجودة بطريقة أو بأخرى. 

هل تجربة انكفاضة ترجع بشكل أساسي إلى أن فريق العمل أغلبه من النساء؟ 

الفكرة بدأت بشكل تلقائي وطبيعي؛ فمن ناحية تعد ” انكفاضة” وسيلة إعلام نسوية وأحد مهامها الدفاع عن القضايا الاجتماعية والانحياز لكل ضحية قمعتها الأنظمة المهيمنة، وفي النظام المهيمن هنا نجد العنف المسلط على أساس الجنس والنوع الاجتماعي، وسنجد أن الخط التحريري للموقع يدعم الاتجاه للدفاع عن ضحايا الأنظمة المهيمنة. 

وفى صالة التحرير لدينا تمثل النساء الأغلبية العظمى من العاملات حتى ولو لم تكن أغلبهن من النسويات بطريقة نشطة وواعية. وعلى الجانب الفردي، فأنا شخصياً أهتم باللغة ووقعها على أذن المتلقي وعلى القائل وأهتم بإظهار الجانب النسوي منها؛ لذلك يمكن القول إن الاهتمام بتطويع اللغة لتلائم التوجه السياسي كان طبيعياً ولم نكن بحاجة لإجراء نقاش في غرفة التحرير. بمجرد اقتراح الفكرة، لاقت ترحيباً وموافقة، خاصة وأنه كان يوجد تفكير في هذه المسألة للنسخة الفرنسية، الإضافة الوحيدة أن اللغة الفرنسية تمتلك الحلول اللغوية بالفعل، لكن في اللغة العربية كان الاتفاق على الفكرة ثم بدأنا التفكير في كيفية التنفيذ. لا أدّعي أننا وصلنا لأفضل الطرق للتعبير عن فكرتنا، لكن يكفينا أن من يتصفح التجارب الأولى التي بدأناها عام 2019  ويقارنها باليوم سيجد التطور والاختلاف خاصة مع وجود الكثير من الاقتراحات والأفكار للتطوير لتكون الكتابة أكثر سهولة.

ما هي أكثر مشكلة واجهتكم/نّ خلال التنفيذ؟ 

أن استعمال اللغة غير واع؛ ففي العادة نحن نكتب دون التفكير في اللغة التي نستعملها ويكون التحدي في إعادة التفكير في شكل اللغة، وفى العمل الذي كان يتم بشكل غير واع أو بمعنى آخر بشكل تلقائي، ونفكك هذا الأداء داخل عقلنا في محاولة للوصول لحل بحيث تخرج اللغة بطريقة تشبه أفكارنا، فالنسوية ليست لغة تستثني النساء، أو تعتبر أن إبراز النساء هو الحل، لكنها ترجمة لأفكارنا بحيث تكون اللغة تشبه أكثر أفكار المتكلم أو المتكلمة.

هل انعكس استخدام اللغة الجامعة على زيادة ارتباط النساء بالموقع؟ 

أثبتت الدراسات التي قمنا بها في الفترة الأخيرة أن قراء وقارئات انكفاضة أغلبهم من النساء.

أغلب الإحصائيات تقول إن اللغة العربية الفصحى العادية، بعيداً عن التفكير في نوع المتلقي إذا كان رجلاً أو امرأة، ليست في متناول الجميع خاصة بالنسبة للنساء في ظل أن نسبة التعليم عند النساء أقل من الرجال. لذلك، من الإشكاليات التي نعيشها هي: هل يمكن لمثل هذه التجربة أن تجعل اللغة أكثر تعقيداً بالنسبة للنساء؟ والمشكلة في صعوبة إيجاد التوازن بين تمكين النساء من اللغة وفي نفس الوقت إبرازهنّ. ونتصور أن الحل ليس وظيفة وسائل الإعلام فحسب لأنها مشكلة أكبر، وجزء كبير منها يقع على عاتق الأكاديميين/ات والمهتمين/ات باللغويات والسياسيين/ات ووزارة التعليم.

أحد الحلول التي فكرنا فيها هو الحياد من خلال استخدام الجمل الاسمية، وتفادي الجمل الفعلية التي تجبرنا على استخدام نون النسوة، وبهذا تصبح اللغة أكثر سهولة، ربما هذه الطريقة ليست الأفضل لكنها محاولة. 

تجاوز مشروعكم/نّ تحييد اللغة المكتوبة إلى اللغة المنطوقة من خلال استخدام البودكاست. كيف جاءت هذه الفكرة؟

بدأ البودكاست عام 2017، ولكن بالتصور والفكر الجديد، انطلق البودكاست في 2019 من حركة “أنا زادة” التونسية، والتي تشبه حركة Me Too الدولية، والتي انطلقت اثر حادث شهير وهو نشر مقطع فيديو لنائب بالبرلمان يمارس فعلاً مشينا أمام مدرسة فتيات. كان من الضروري وصف ما حدث خلال البودكاست، ولأننا نستخدم اللهجة التونسية فوجدنا أن الكلمات المتوفرة لوصف هذا الفعل كلها تعد كلمات بذيئة ونخجل من قولها في الحياة العادية أو في الإعلامز عقدنا اجتماعاً لمناقشة الكلمة التي نستخدمها ووصلنا إلى اقتناع بما أن هذا الشخص لم يخجل من القيام بهذا الفعل فلماذا نخجل نحن من وصفه  لمجرد أن اللغة لم تعطنا سوى 3 ألفاظ؛  لذلك لم نستحِ لأن الفعل كان أكثر بشاعة من الكلمة، والكلمة هنا كانت نوع من المقاومة والرفض لما حدث. 

فى انكفاضة بودكاست، لا نعتمد فكر الحجب أو الصمت وكل كلمة نقولها تكون في مكانها. في آخر بودكاست قدمناه عن الثقافة الشعبية، استخدمنا كلمات موجودة وتعد نوع من العنف المسلط على فئات معينة ووسائل للإخفاء؛ فمثلاً، عندما يشار للمرأة بوصف معين أو لفظ معين، فإنه يعتبر نوعاً من الوصم والإخفاء. كنوع من المقاومة وربما الاسترداد اللغوي، لم نخجل من ذكرها، فإذا كنت تقول هذه الألفاظ لإخفائي، فسأقولها لأظهر. 

كيف تجاوب الجمهور مع هذا الاتجاه في البودكاست؟ 

ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي لم يكن بها أي عنف أو عدم الرضا، وكانت ردود الفعل على الموضوع في حد ذاته وليس على اللغة المستخدمة، وهذا دليل على قوة اللغة التي نستخدمها. فالعقل مصمم للتلقي ولا يرفض سوى ما يجرحه أو لا يصدقه.

لماذا يصاحب البودكاست الصوتي نص عربي مكتوب؟ 

انكفاضة موقع إخباري يهتم بالشأن التونسي ويتوجه للتونسيين، لكن التوانسة في الأغلب منفتحين على لغات وثقافات أخرى. وفى السلسلتين الأخيرتين من البودكاست، كانت الموضوعات متصلة بالثقافة الشعبية بشكل كبير فكانت هناك بعض العبارات التي قد لا تكون متداولة الآن بين التونسيين بشكل كبير؛ لذلك كان من المهم وضع شريط باللغة الفصحى باعتبارها طريقة للوصول للناس وربما الوصول لجمهور أكبر من دول مختلفة.

هل هناك مشروع للتعامل بين انكفاضة وبرنامج النساء في الأخبار؟

بالفعل هناك حوار حول مشروع مشترك ولا نزال في المراحل الأولى من العمل. والفكرة هي محاولة نشر  هذا الأسلوب في إبراز الصوت النسائي، والوصول إلى غرف الأخبار في وسائل الإعلام المؤثرة على قطاعات واسعة من الجمهور. رغم الوقت المحدود الذي قطعته هذه المحاولات، إلا أننا نلمس تغيراً واضحاً في نوع الخطاب، فمثلاً يندر الآن أن نجد سياسياً في تونس لا يخص النساء في حديثه، وهو الأمر الذي كان من النادر أن يحدث من قبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.