منى سلمان: وجود سياسة واضحة بالمؤسسات الإعلامية للتعامل مع التحرش الجنسي ضرورة

منذ سنوات قليلة، بدأ العالم كله في مواجهة مشكلة التحرش الجنسي خاصة في بيئة العمل، وهي إحدى الظواهر المسكوت عنها لفترة طويلة. من خلال الحراك المجتمعي، وكسر حالة الصمت، وتعديل القوانين التي تجرم التحرّش مثلما حدث في مصر ولبنان مؤخراً، أصبح بالإمكان التفاؤل بحصار تلك المشكلة والقضاء عليها. يضع برنامج “النساء في الأخبار” تلك القضية على رأس أولوياته حيث تعامل معها من خلال التدريب والتوضيح وإصدار دليل متخصص يصلح للتطبيق في غرف الأخبار. وحول هذه القضية، التقينا الإعلامية “منى سلمان” التي تدرب الصحافيات على كيفية مواجهة التحرش الجنسي في العمل للحديث حول هذا الموضوع.

برأيك، كيف تؤثر التعديلات التشريعية الجديدة في مصر والخاصة بتغليظ عقوبة التحرش على الحد من ظاهرة التحرش الجنسي؟ 

ما قرأته عن العقوبات الجديدة هو ما تم نشره في وسائل الإعلام، لكن الفكرة نفسها وهي تغليظ العقوبات، والتركيز عليها، والدور الذي يلعبه المجلس القومي للمرأة، والدور الذى بدأت مؤسسات الدولة تلعبه؛ أعتقد أن هذه العوامل ساهمت وسيكون لها مساهمة أكبر في المستقبل في مواجهة مشكلة التحرش الجنسي والحد منها، ويكفى أنه توجد أعداد متزايدة من النساء أصبحن يواجهن هذه الظاهرة بشكل أكثر جرأة، واختفت فكرة الوصمة التي كانت تتعرض لها النساء باعتبارها هي من شجعت المتحرش على ذلك. كما يجب الإشارة إلى البيان التاريخي الذى خرج منذ عامين من جانب الأزهر الشريف وهو البيان الذي يرفع أي غطاء ديني ويفصل بين ظاهرة التحرش وبين مظهر الضحية، وأعتقد أن كل هذه الجهود ساهمت في مواجهة هذه الظاهرة وأكسبت الكثير من النساء الجرأة على مواجهة هذه الجريمة. ربما لا يزال هناك بعض التحفظ لدى المجتمع، لكنني أجد أن بعض المواقف التي تتعرض لها النساء في الشارع أصبح الرد عليها بالردع والمواجهة القانونية قادراً على إعادة الأمور لنصابها؛ فلسنوات طويلة،  كان الشارع متوحشاً ضد النساء وكان أسهل شيء طعنهنّ بأشكال التحرش المختلفة ثم توجيه الإساءة للبنات إذا تكلمن، وأظن أن الجهود المجتمعية والقانونية لعبت دوراً كبيرا وستلعب دوراً أكبر في المستقبل في التقليل من هذه الظاهرة .

هل تجدين أن القانون وتعديلاته يغطي كافة أشكال التحرش الجنسي التي يمكن التعرض لها والوسائل التي تستخدم في التحرش؟ 

أعتقد أن “تجريم استخدام وسائل الاتصالات الإلكترونية، أو أية وسيلة تقنية أخرى كأداة للتحرش الجنسي” من الإضافات الهامة جداً؛ لإن وسائل الاتصالات التكنولوجية أصبحت أحد الوسائل التي تسهم في هدم السمعة والترهيب لكثير من النساء في مصر والعالم كله. فكما نرى مثلاً التعليقات التي يكتبها جمهور المتابعين للمواقع المختلفة، وكيف أن لديهم  هذه الجرأة على التجريح والطعن في شرف النساء وشعورهن، هذه الجراح قد لا يشفى منها البعض؛ ففكرة الطعن في شرف وكرامة أي امرأة أو حتى رجل من خلال وسيلة علنية وأمام أسرتها مسألة مؤلمة جداً وتنم عن حالة من الجبن الشديد. فهذا شخص خلف شاشة قد يدخل باسم مستعار ليجرح الآخرين ويمضي في حال سبيله، لذلك أعتقد أن مسألة تغليظ العقوبة وتضمين استخدام وسائل الاتصالات الإلكترونية من الأمور شديدة الأهمية. 

شاركتك في الندوات والبرامج الخاصة بمواجهة التحرش الجنسي في المؤسسات الإعلامية من خلال برنامج “النساء في الأخبار. كيف تساهم هذه البرامج في خلق بيئة عمل آمنة للنساء؟ 

أشارك في برنامج “النساء في الأخبار” بالموضوعات الخاصة بالجندر والتواصل داخل غرف الأخبار منذ خمس سنوات، ومؤخراً في العام الماضي بدأت  في التدريب على مواجهة التحرش الجنسي وهو أحد الموضوعات الهامة والتي يهتم بها البرنامج، وهو مشروع طموح يهدف إلى كسر الفجوة الجندرية داخل غرف الأخبار في العالم كله وعلى أسس جديدة ومختلفة. الحقيقة إن المشاركة في هذا البرنامج كانت إضافة كبيرة لي في حياتي خاصة في ظل اهتمامي بقضايا الجندر وقضايا النساء بشكل عام منذ بداية حياتي المهنية؛ لذلك فهذا البرنامج كان بمثابة نقلة لي على المستوى المعرفي والتدريبي وأشعر بامتنان حقيقي للتدريبات التي حصلت عليها، والتدريبات التي دربت فيها وجمعتني بزميلات عزيزات من 5 دول من المنطقة العربية وهم : مصر، والأردن، وفلسطين، ولبنان، وسوريا. 

هذا البرنامج كان خطوة مهمة يرسم الطريق للنساء لتمكينهنّ من الوصول إلى مناصب تحريرية عليا، وهذه النقطة ليست فقط إضافة إلى النساء، لكنها إضافة لمهنة الصحافة بشكل عام وتخلق بيئة عمل أكثر تنوعاً تستهدف قراء أكثر تنوعاً.   

هل التحرش الجنسي جريمة تتضرر منها “الضحية”/الناجية سواء كانت امرأة أو رجل فحسب؟ أم أن أثرها يتخطّى التأثير شخصي؟

التحرش الجنسي في المؤسسات الإعلامية واحد من القضايا المسكوت عنها، وأحد أبرز العقبات التي تؤدي إلى إنهاء مسيرة عمل الكثير من الصحفيات في مصر والعالم العربي بل كذلك في العالم كله، والدراسات المتاحة في هذا المجال قليلة جداً؛ لذلك نستعين ببعض هذه الدراسات أو نساهم في إعدادها.

وأحد أبرز هذه العقبات والتي تجعل من هذه القضية مسكوتاً عنها هو صعوبة إثباتها ونعمل في خلال البرنامج على التدريب على هذه النقطة تحديداً، و على التعامل مع الحالة وكيفية إثبات وقوعها، وأهميتها بالنسبة للمؤسسة. ومن الضروري أن نشير إلى أن التحرش لا تكون ضحيته النساء فحسب لكن هي جريمة لها علاقة بفكرة “القوة” وبما أن النساء هنّ الحلقة المستضعفة والعدد الأقل في التراتبية المهنية حتى الآن في العالم العربي، فمعظم شكاوى التحرش تأتي منهنّ. والأسوأ من ذلك أن كثيرات منهنّ يلجأن الى الصمت والانسحاب من المهنة أو إقرار آليات عمل غير جيدة .

كيف يؤثر الصمت على حالات التحرش الجنسي على العمل داخل المؤسسات؟

 في العالم كله حالياً، أصبحت المؤسسات تهتم بفكرة سياسة عدم التسامح مع التحرش، وأصبح المتهم  بهذه الجريمة يتعرض لفقدان عمله. وبما أن الأمر أصبح بهذا الشكل، لذلك من المهم قبل أن تجرم شيئاً أن تفهم ماهيته، وبالتالي أهمية التدريب على التعامل مع  التحرش داخل المؤسسات للرجال والنساء أصبحت من الموضوعات المهمة. فالبعض كان معتاداً على أداء بعض الأفعال بحسب موازين القوى بدون التفكير بأن هذا التصرف قد يكلفهم على الصعيد الشخصي كما سيكلّف المؤسسة التي يعملون بها الكثير، فالمؤسسات نفسها تخسر كثيراً فيما يتعلق بالإساءة إلى سمعتها من  انسحاب صحافيات من العمل بها، أو إنها تفقد قدرات محررين/ات مميزين/ات، لكنهم يحتاجون للتدريب على الممارسات غير المقبولة. لذلك من المهم أن يكون لكل مؤسسة سياسة واضحة ومعلنة بشأن عدم التسامح مع مثل هذا النوع من الجرائم، تضع تعريفاً محدداً للتحرّش بجانب وضع آلية محددة للتحقيق حتى لا تتحول الأمور الى تصفية حسابات. فإذا كانت هناك جرائم تحرش، ففي المقابل يوجد إدعاءات غير حقيقية وبالتالي التعريفات المحددة والسياسة الواضحة مسألة هامة جداً لتجنيب المؤسسة ولتجنيبنا جميعاً مثل هذه  المسائل التي قد تهدر  الوقت والجهد والسمعة والكفاءات. 

في ظل وجود عقوبات قانونية من الدولة هل أصبح من الضروري لكل مؤسسة وضع مكافحة التحرش داخل ميثاق العمل بها؟

عندما تضع الدولة عقوبات قانونية فهذا سيمثل دافعاً للمؤسسة لوضع مكافحة التحرش داخل ميثاق العمل الخاص بها، فالصحافة والإعلام هما عيون المجتمع، وهما اللذان يشيران إلى أماكن الخلل، لذلك من المهم أن يكون الإعلام واضحاً في محاسبة ذاته ووضع آليات للحد من مثل هذه الممارسات. 

ما هي أهم الآليات التي ينصح باتباعها في حال وقوع حالة تحرش داخل المؤسسات الإعلامية؟ 

كما قلت، وجود سياسة واضحة في التعامل مع حالات التحرش الجنسي يخلق حالة ردع من الأساس، ووجود آلية للشكاوى والحساب وقوانين لهذه الشكاوى بحيث تتضمن وسائل تحمي الناجية من التعرض للقيل والقال، وكذلك المدعى عليه لحين البت في التحقيق، الفصل بين الطرفين بحيث لا تتعرض الناجية لأي إجراءات عقابية من المؤسسة التي تعمل فيها.

هل نحتاج لنشر تعريف واضح ومحدد للتحرش الجنسي؟

من الضروري توضيح الأمور، بمعنى تحديد ما الذي يعد تحرشاً وما الذي لا يعتبر تحرشاً، وهذه من أهم النقاط التي تساعد في هذه المسألة، وأعتقد أن برنامج النساء في الأخبار ومنظمة وان-ايفرا قدما جهداً هائلاً من خلال إصدار دليل عن التحرش الجنسي باللغتين العربية والإنجليزية وبه الكثير من النصائح الهامة الخاصة بالتحرش الجنسي، وتدريب للعاملين/ات في المؤسسات والقيادات على كيفية التعامل مع مثل هذه الحالات.     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.