أزمة المناخ وأهمية الصحافة البيئية

أزمة المناخ أزمة حقيقية بدأنا نرى تأثيرها على حياتنا اليومية بشكل كبير. مع ذلك، لا يزال الاهتمام بهذا الموضوع غير كافٍ، خاصة بالنسبة للصحافيين والصحافيات الذين تقع عليهم مسؤولية رفع وعي القراء/القارئات حول مخاطر تغيّر المناخ والأزمات البيئية. بالإضافة الى ذلك، يؤثّر تغيّر المناخ على النساء بشكل غير متناسب مقارنةً بتأثيره على الرجال خاصة وإن النساء لا زلنَ مهمّشات في مراكز صنع القرار ووضع السياسات التي تمسّ حياتهنّ بشكل كبير. لتناول عن هذا الموضوع بشكل أعمق، نتحدّث الى الصحافية المصرية رحمة ضياء، صحافية مستقلّة ومؤسسة مبادرة “مدرسة المناخ Climate School”، التي تركّز على جوانب عدّة من أزمة المناخ في عملها الصحفي.

منذ متى تقومين بتغطية موضوع تغير المناخ وكيف بدأ اهتمامك بذلك؟

بدأت العمل الصحفي منذ عام 2009 خلال دراستي في كلية الإعلام في جامعة القاهرة. عملت كصحافية بدوام كامل مع مؤسسات إعلامية متعددة وغطّيت العديد من المواضيع مثل التحقيقات والسياسة والمرأة. عام 2017، انتقلت الى العمل الصحفي المستقل وبدأت بالتركيز على العمل النوعي. كان قراري بأن أصبح صحافية حرة تحدياً بالنسبة لي وحافزاً دفعني الى التميّز، فبحثت عن مجال مختلف يمكنني أن أتميّز به. كان هدفي العمل على تحقيقات استقصائية، وكانت المصادفة أن أول تحقيق استقصائي أنتجته مع شبكة أريج تناول موضوع البيئة وكان مرتبطاً بتغيّر المناخ وتأثيره على الصحة.

تغيّر رأيي بهذا الموضوع الذي لطالما ظننت أنه مادة جافة وعلمية واكتشفت أنه موضوع شيّق ويتناول مجالات مختلفة كالجوانب الاجتماعية والاقتصادية وغيرها. شكّل هذا التحقيق المدخل بالنسبة لي للتركيز على القضايا البيئية بشكل عام، وإبراز الجوانب الانسانية للتغير المناخي التي تمسّ حياة الناس بشكل مباشر. واستمررت بالتخصص بهذا الموضوع من خلال حضور ورش العمل والمؤتمرات التي تتناول تغطية أزمة التغير المناخي. وما حفّزني أكثر هو أن الموضوع لا يتم تداوله كثيراً في المنطقة وهناك القليل من الصحافيين العرب الذين يغطّون تغيّر المناخ، فوجّهت تركيزي في المواد التي أنتجتها على التأثير قصير الأمد للتغير المناخي، وهو الذي بدأ يظهر حالياً ويمسّ حياة الناس بشكل واضح ومباشر كنقص المياه وتأثر محاصيل المزارعين بتغيّر الطقس وموجات ارتفاع درجات الحرارة.

بالاضافة الى ذلك، بدأت بالمشاركة من خلال التدريبات والزمالات بفعاليات عالمية للنظر الى المشكلة من منظور عالمي وليس فقط من وجهة نظر محلية أو إقليمية.  

ما هي ابرز التحديات التي تواجهك خلال عملك؟

من أبرز التحديات التي أواجهها هي كيفية ايجاد مصادر متخصصة بهذه المواضيع. هناك نقص كبير في المصادر المتخصصة في هذا المجال في المنطقة العربية ودائماً ما كنت أواجه مشكلة عدم اطّلاع العديد من المصادر على المواضيع التي كنت أتناولها وآخر مستجدات بعض المواضيع، على سبيل المثال، علاقة التغير االمناخي بالجندر، اذ لم يكن هناك أخصائيين عرب أو مصريين يمكنهم أن يكونوا خبراء أجري مقابلات معهم. موضوع آخر شكّل تحدّ بالنسبة لي هو علاقة الموضة السريعة بتغيّر المناخ، لم أجد مصادر خبيرة على علم بهذا المجال. أما الآن، أصبح هناك اهتمام أكبر بهذا الموضوع خاصة بما يخصّ الموضة المستدامة وأصبح هناك خبراء أكثر يمكنهم التحدث عن هذه القصص.

التحدي الآخر كان إيجاد منصات مستعدّة لنشر هذه القصص اذ لم يكن هناك اهتماماً كبيراً بموضوع تغيّر المناخ وكانت مساحة النشر ضيّقة في مصر. اتجهت الى النشر في موقع متخصص بالمواد العلمية، وكنت أنشر باللغة الانكليزية في مواقع خارج مصر مهتمّة بهذا الموضوع. وزاد الأمر تعقيداً أنني صحافية مستقلّة فكان من الصعب إقناع المؤسسات الإعلامية بنشر قصصي.

تُعتبر النساء من الفئات الأكثر تضرراً بأزمة المناخ. هل تركّزين على هذا الجانب خلال تغطيتك؟

المرة الأولى التي بدأت بتناول موضوع التغير المناخي من منظور جندري كانت بعد مشاركتي في مؤتمر دولي حول أزمة المناخ. فكانت المرة الأولى التي أطّلع بها على فكرة الربط بين الجندر وأزمة المناخ والعدالة المناخية وكيف يؤثر ذلك على النساء بشكل خاص. فبدأت بتناول هذا الجانب من تغير المناخ من خلال قصة نشرتها حول تأثير نقص المياه في بعض القرى المصرية على النساء، وكيف يقع العبء الأكبر على النساء بتوفير الموارد المائية للمنزل من خلال السير لمسافات طويلة ونقل المياه من المصدر الى البيت، في حين أن الرجال يعتبرون أن هذه المهمّة هي للنساء فقط. كما عملت مؤخراً على فيديو يتناول الجوانب المختلفة لتأثر النساء بتغيّر المناخ مقارنة بالرجال سواء بالحصول على خدمات الرعاية الصحية أو مشكلة نقص المياه وغيرها من التأثيرات التي تعاني منها النساء خلال الأزمات البيئية التي تنتج عن تغيّر المناخ وما هي الحلول والاستراتيجيات التي يجب تطبيقها لتحقيق العدالة المناخية، خاصة أهمية اشراك النساء في صنع القرار للاستجابة الى احتياجاتهنّ. 

برأيك، ما دور النساء بشكل عام في وجود حلول مستدامة لأزمة التغير المناخي؟

تمتلك النساء وعياً أكبر بأزمة تغيّر المناخ، خاصة بالجوانب التي تؤثّر عليهنّ مباشرة. لذا، يجب أن يكنّ شريكات في السياسات التي يتم وضعها والاتفاقيات البيئية التي تُبرم على المستوى المحلّي والإقليمي والدولي. على النساء أن يكون لهنّ صوتاً فيما يخصّ الجوانب المتعلّقة بهنّ وتأثير تغيّر المناخ عليهنّ بشكل خاص وأن تؤخذ النساء بعين الاعتبار اثناء معالجة أي أزمة مناخية إمّا من خلال برامج التوعية أو التدريبات لرفع المعانات عن النساء خلال شحّ المياه أو حركات النزوح بسبب تغيّر الطقس على سبيل المثال. 

بالإضافة الى ذلك، يمكن للنساء لعب دور كبير في مجالات تخصّصهنّ المتعددة، وامتلاك الوعي بأهمية ترشيد الطاقة واعتماد أساليب بديلة وصديقة للبيئة وتقليل الانبعاثات. اذا رفعنا وعي المرأة بموضوع التغيّر المناخي وطرق التكيّف معه، سيؤثّر ذلك بشكل كبير على نمط حياة النساء.

كيف تصفين تجاوب القراء/القارئات مع المواد التي تنشرينها؟ هل تعتقدين أن هناك وعياً أكثر بأزمة التغير المناخي؟

دائماً ما احاول تقديم هذا الموضوع بطريقة تمسّ حياة الناس ويمكنهم من خلال قراءة المقال أن يعرفوا تأثير تغيّر المناخ عليهم على المدى القصير والمتوسّط والبعيد كي يطّلعوا على الأثر الحالي لهذه الأزمة على حياتهم وعلى صحّة أطفالهم الآن وفي المستقبل القريب. بذلك، يدركون حجم الخطر ممّا يعطيهم حافزاً أكبر لتغيير سلوكياتهم. تساهم هذه الطريقة في تفاعل القراء/القارئات مع الموضوع بشكل أكبر.

خلال السنوات الأخيرة، زاد وعي القراء/القارئات بموضوع تغيّر المناخ وأصبح متداولاً أكثر بين القياديات السياسية والدينية الذين بدأوا بالحديث عن الموضوع ويحاولون رفع وعي الناس حول أضراره وخطره وضرورة أن نبدأ باتخاذ خطوات فعالة للتعامل مع أزمة تغيّر المناخ.

ساهمت أزمة كوفيد-19 أيضاً برفع هذا الوعي لأننا أصبحنا ندرك الآن تأثير تدخّل الانسان بشكل يخلّ بالتوازن البيئي، فأصبح هناك اهتماماً أكبر بهذا الموضوع وصحافيون يركّزون على الأزمات البيئية من خلال عملهم.

هل تشجعين صحافيات اخريات على تغطية هذه المواضيع؟ لماذا؟

بالطبع أشجّع الصحافيين والصحافيات على تغطية موضوع تغيّر المناخ. أطلقت منذ شهرين مبادرة “مدرسة المناخ Climate School” التي تهدف الى تشجيع الصحافيين والصحافيات في مصر والمنطقة العربية على الكتابة عن موضوع تغيّر المناخ، ونشارك معهم المنح والفرص المتاحة على المستوى الإقليمي والدولي. كما ننظّم تدريبات مجانية حول هذا الموضوع وحول كيفية كتابة القصص المتعلّقة بالتنوّع البيولوجي وأساسيات صحافة الفيديو وكيف يمكننا استخدامها لدعم قضايا تغيّر المناخ والبيئة وحول أساسيات صحافة البيئة والمناخ. يهدف كل ذلك الى تشجيع الصحافيين على الاهتمام بالمواضيع البيئية خاصة وأننا بدأنا نعاني من آثار هذه الأزمة في حياتنا اليومية، وسنشعر بها تتفاقم خلال السنوات القادمة.

إن أزمة المناخ أزمة حقيقية وعلينا التعامل معها من خلال تغيير سلوكياتنا والسياسات الموجودة وطريقة استهلاكنا للموارد الطبيعية. دورنا كصحافيين/ات هو أن ننشر الوعي حول أزمة المناخ ونحفّز الناس على زيادة اهتمامهم بالقصص البيئية وانتقالهم الى استخدام موارد صديقة للبيئة. أما بالنسبة للصحافيات بشكل خاص، ونظراً الى ان عدد الصحافيات المهتمات بهذا الموضوع صغير، فهذا يفتح أمامهنّ مجال المنافسة على المستوى الدولي والاستفادة من منح وفرص متعدّدة وتدريبات تنظّمها مؤسسات عالمية ممّا سيساهم بتطوير عملهنّ وحياتهنّ المهنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.