عمرو العراقي: صحافة البيانات مهمة للقارىء وغرف الأخبار بنفس الدرجة

على مدار سنوات طويلة، منح الصحافي والمدرب عمرو العراقي أغلب وقته للتبشير بصحافة البيانات، واستعراض أهميتها، وتدريب المئات من شباب الصحافيين/ات في المنطقة العربية عليها، وقدّم عشرات النماذج من المحتوى الصحفي المدفوع بالبيانات. يشغل العراقي حالياً منصب مدير موقع وشركة InfoTimes المتخصصة في تطوير محتوى صحافة البيانات والتدريب عليها، وهو المشروع الذي حصل على جائزة شبكة المحررين العالميين GEN لأفضل فريق صحفي عن فئة غرف الأخبار الصغيرة في عام 2018. أجرى إيهاب الزلاقي حواراً مع عمرو العراقي حول أهمية صحافة البيانات في العصر الحالي، وكيف يمكن أن يبدأ الصحفي بالعمل في هذا المجال.

ما هي أهمية صحافة البيانات؟

تكمن أهمية صحافة البيانات في عدة جوانب: أوّلها الأهمية الكبيرة لدور الصحافة في المجتمع أياً كان هدف الصحافة والدور الذي تقدمه سواء الإخبار أو الترفيه أو التحليل وكتابة الرأي. والشقّ الثاني يتعلّق بأهمية صحافة البيانات نفسها خاصة مع وجود جمهور يهتم بمتابعة التحليلات المتعمقة، والبحث عن الحقائق. ويمكن القول أن نسبة كبيرة من الجمهور أصبحت مهتمة بالبحث عن قصص القراءة المطولة العميقة؛ وهي القصص الصحفية التي يتم من خلالها تقديم المعلومات بشكل جذاب وفي نفس الوقت تثري الموضوع وتكشف أبعاداً جديدة للقصة الصحفية؛ وبالتالي ترتبط أهمية صحافة البيانات بأهميتها لدى الجمهور ومدى جاذبيتها، بالإضافة إلى أن صحافة البيانات مهمة بالنسبة لغرف الأخبار وقدرتها على المنافسة من خلال تقديم محتوى مثير وجذاب ويحتوى على معلومات تحليلية أو تفصيلية. أعتقد أن صحافة البيانات يمكن أن تكون عنصراً لنجاح نموذج العمل في بعض المؤسسات المعتمدة على فكرة سياسة الدفع مقابل المحتوى، أو ما يطلق عليه الاشتراكات، وبالتالي بجانب صحافة البيانات مهمة للقارئ بنفس أهميتها لغرف الأخبار للاستمرارية وإيجاد مصادر للدخل.  

لماذا كثر الحديث عن صحافة البيانات وتنفيذ موضوعاتها في الفترة الأخيرة؟

نعيش في عصر رقمي، ويوجد حولنا طوفان من البيانات من السهل الحصول عليها، وأصبحت البيانات تنتج لحظياً وبشكل كبير، والفضل في ذلك يعود للثورة التكنولوجية وتطور الإنترنت وظهور السوشيال ميديا ووجود أنماط من البيانات غير التقليدية والتي أصبحت تتداول لحظياً بشكل كبير وسريع. ولو تتبّعنا تاريخ التسريبات منذ ويكيليكس وأوراق بنما وما بعدها سنجد حجماً كبيراً من البيانات تتراوح من الجيجا بايتس للتيرا بايتس؛ وبالتالي أصبح لدى الصحافيين/ات -حتى على مستوى التسريبات- كمّ كبير من البيانات المتاحة، ومع هذا الكمّ من البيانات أصبح المجتمع بحاجة إلى من يقوم بتحليلها والكشف عمّا وراءها، وتقديم التفسيرات والاستنتاجات لها، خاصة وأن قدرة الناس على استيعاب هذا الكمّ من البيانات متفاوتة وبعضهم يبحث عن الخلاصات الموجزة. قد لا تكون البيانات في شكلها القبيح المجدول مادة جاذبة للناس، وعادة لا يهتم الناس بالاطلاع على قاعدة البيانات لكنهم يهتمون بمعرفة نتائج هذه البيانات وتأثيرها على قراراتهم وحياتهم وأعمالهم.   

هل هناك موضوعات وقضايا معينة تنجح فيها صحافة البيانات؟

ساهمت صحافة البيانات في ظهور مجالات جديدة مثل علم البيانات Data science، والصحافة بطبيعة الحال مهنة مرتبطة بتطور التكنولوجيا وبالتالي تفاعلت الصحافة مع هذا التطور وهذا الكمّ الكبير من البيانات، ولم يعد التعامل مع البيانات يتطلب مهارات متخصصة، بل على العكس أصبح من السهل اكتساب وتعلم مهارات التعامل مع البيانات خاصة وأن الصحفي يتعامل  حالياً طوال الوقت مع الحاسب الآلي. 

وتعود كثرة إنتاج صحافة البيانات مؤخراً إلى بحث الصحافيين/ات عن التميز، وتقديم أعمال راسخة في أذهان المجتمع وقادرة على المنافسة والحصول على جوائز تضاف إلى رصيدهم المهني، كما أن بعض المؤسسات كما ذكرنا تسعى إلى المنافسة من خلال جودة المحتوى الذي تقدمه خاصة وأن البيانات هي مادة خام متاحة في كافة قطاعات الحياة مثل الفن والرياضة والاقتصاد وغيرها وبالتالي توظف في كافة الموضوعات الصحفية المختلفة.

أصبحت صحافة البيانات مهمة ويمكن النظر مثلاً إلى أزمة كورونا والتي أصبح المواطن العادي يهتم بمتابعة عدد الحالات، الوفيات، عدد الأسرّة المتاحة وعدد الأطباء المتوفرين مقارنة بعدد المرضى. كانت مختلف بلاد العالم تبحث الأزمة وتفكر فيها من منظور البيانات، وحتى نحن في حياتنا العادية نفكر في أبسط أمورنا من منظور البيانات، مثلاً إذا سافرنا لقضاء عطلة نفكر في أفضل أيام السفر بناء على درجات الحرارة، واختيار شركة السياحة وفقاً للأقل في سعر الرحلة والأكثر تقديماً للامتيازات؛ فقراراتنا في الحياة نتخذها اعتماداً على البيانات. 

لا يوجد موضوعات محددة تعالجها صحافة البيانات، فالبيانات مرتبطة بكل موضوعات الحياة يمكن تقديم موضوع مدعم بالبيانات عن التعليم أو السينما أسعار المواصلات وحوادث الطرق مرتبات الموظفين في القطاع الخاص فأي بيانات متاحة يمكن التنقيب فيها وصناعة
قصة صحفية متميزة.

 

ما هي أساسيات العمل في صحافة البيانات؟

إلى جانب العامل التقني فالأساس هو الصحافة؛ بمعنى أنه لا يمكن أن تكون تقنيا متميزا فتعمل في مجال الصحافة، لكن من المهم أن تكون صحفياً متميزاً تمتلك مهارات العمل الصحفي، وقادر على طرح فكرة وصياغة فرضية والتواصل مع المصادر وطرح الأسئلة المناسبة لتحصل على البيانات، وتعرف كيف تطرح مزيد من التساؤلات حولها، فالأساس هنا أن تكون صحفياً جيداً، ولديك سنوات من الخبرة في العمل الصحفي ثم تأتي مرحلة معالجة البيانات ومعرفة كيفية إجراء معادلات إحصائية دقيقة وصحيحة لهذه البيانات للتأكد من صحتها وسلامتها؛ لأن بعض إجراءات التحليل قد تضر بسلامة وصحة البيانات مثل كيفية التعامل مع البيانات المكررة أو البيانات المفقودة داخل قاعدة البيانات أو حساب المتوسط الحسابي في ظل وجود بيانات متطرفة؛ لذلك من المهم معرفة الشخص بأسس معالجة البيانات مثل علم الإحصاء أو استخدام برامج التحليل المختلفة.

يأتي بعد ذلك السرد القصصي وهو جزء يتساوى في أهميته مع النقاط السابقة؛ بمعنى كيف ستقدم هذه القصة الصحفية للجمهور، الخطأ الشائع هو الاهتمام بشكل كبير بالصورة البصرية واختصار صحافة البيانات بالصورة والتصميم البصري لكن أؤكد أنه إذا لم تكن هناك قصة وإذا لم تتوافر بيانات فالصورة ستكون لوحة فنية لكنها لن تكون قصة مدفوعة بالبيانات.

من أين يمكن أن يبدأ الراغب في تعلم صحافة البيانات؟

البداية ستكون من خلال مطالعة المصادر العربية والأجنبية المتاحة، والتعرف على كيفية بناء القصة وكيفية تقديمها للجمهور، والمنهجية المتبعة في إعداد القصة، والاطلاع على مصدر البيانات الخام، ودراسة الأعمال التي حصلت على جوائز مثل جائزة صحافة البيانات العالمية التي أعدتها شبكة المحررين العالمية، أو النسخة التي تقدمها حالياً جائزة سيجما المخصصة لصحافة البيانات للاطلاع على نماذج الأعمال السابقة وإمكانية تنفيذ أعمال مشابهة تناسب خصوصية بيئتنا.  

وأعتقد أن اطلاع الصحفي على الأعمال السابقة هي نقطة انطلاق هامة ليتعلم منها؛ “فالمرء يكتب ما يقرأ”، ولكي تحسن من أسلوبك الصحفي لا بد وأن تقرأ كثيراً لتكون قادراً على صياغة الجمل بشكل أفضل وتقديم محتوى بشكل أكثر جاذبية.

 التطبيق أيضاً أحد أشكال التعلم لإنه خلال مرحلة التطبيق تكتشف مشاكل مختلفة وتكتسب مهارات التعامل مع هذه المشكلات، وصحافة البيانات دائمة التطور والتجدد نتيجة ارتباطها بعاملين سريعي التغير وهما البيانات والتكنولوجيا، والبيانات يختلف حجمها ونوعها وطريقة أرشفتها من قصة لأخرى لذلك لا يوجد كتاب يشمل كل مهارات صحافة البيانات من البداية للنهاية. 

ما هي أبرز المصادر لتعلم صحافة البيانات خاصة في المنطقة العربية؟

يوجد دليل ترجمه معهد الجزيرة، يوجد دليل أصدرته مؤسسة “JHR” Journalism for Human Rights  ، والمصدران متاحان على الإنترنت مجانا، يوجد كذلك دورات تدريبية تقدمها مؤسسة Advocacy Assembly   والدورات مقدمة بثلاث لغات العربية والإنجليزية والفارسية، وعلى مدار السنوات الماضية شاركت كمدرب في أكثر من فرصة للتدريب مع البنك الدولي منها برنامج لمحو أمية البيانات وهو برنامج طويل المدى على مدار عدة أسابيع، أو عدة شهور وأنجزت نسخة منه في العراق، ونسخة أخرى في الأردن على مدار عام كامل بالتعاون مع معهد الإعلام الأردني، وبرنامج آخر تدريبي لمدة ستة أشهر هو دبلومة صحافة البيانات بالتعاون مع أريج والمركز الدولي للصحفيين، ويوجد كذلك موقع مدرسة البيانات يقدم دورات تدريبية مختلفة  في التعامل مع البيانات.

تدير “انفو تايمز” المتخصصة في إنتاج صحافة البيانات، ما هي أبرز الموضوعات التي عملتم عليها؟ روابط؟

تعد “أنفو تايمز” في الأساس مزود خدمة وليست ناشرا ؛ لذلك عدد القصص التي أنتجناها محدود نسبيا يمكن أن نسميها عينة للمحتوى لكن أغلب تعاملاتنا كان في إطار تقديم خدمات لمؤسسات صحفية وبحثية؛ تعاملنا مثلا مع مؤسسة Yahoo، ومؤسسة أخبار اليوم، وكالة الأنباء الأردنية، ومركز الحلول البديلة في الجامعة الأمريكية، وأبرز القصص التي أنتجناها كانت نتاج ورشة التدريب مع مؤسسة أريج وقدمتها زميلتنا هاجر هشام عن “الفجوة الجندرية في مراكز الرياضة الحكومية” في مصر ، وقصة الزميل محمود الطباخ التي أنتجناها بالتعاون مع موقع مصراوي عن “خطابات الدم” لتحليل خطابات رئيس تنظيم القاعدة السابق، وقصة “الكشري” التي عكست مدى التضخم الاقتصادي في الأسعار في مصر على مدار العشر سنوات الماضية، كذلك قصة تحليل خطاب الكراهية ضد السوريين في لبنان، وقصة عن المناصب القيادية التي تتولاها المرأة في الجامعات على مستوى العالم العربي، كذلك قدمنا تحليلا لقرارات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في فترة ولايته الأولى وعرض كل القرارات التي اتخذها من خلال تحليل إحصائي يعرض ارتباط القرارات بتصنيفها  سواء سياسي أو اقتصادي، وقصة عن زيادة السواحل في المدن الساحلية وانكماش مساحة الأرض في بعض المدن  والمحافظات في مصر، وكذلك قدمنا قصة عن تحليل الهاشتاجات على تويتر والحسابات الوهمية التي تقف خلفها. 

لتعلم المزيد عن صحافة البيانات:

بعض نماذج صحافة البيانات:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.