تغطية الانتهاكات تؤثر على الصحة النفسية للصحافيات الفلسطينيات

ميرا عبدالله

في منتصف نيسان/ابريل 2021، تصاعدت وتيرة الأزمة في الأراضي الفلسطينية وجذبت عيون الإعلام في العالم. بعد أن حاولت الشرطة الإسرائيلية وجمعيات المستوطنين إخلاء منازل فلسطينية قسراً في حي “الشيخ جراح”، اندلعت تظاهرات في القدس والمسجد الأقصى وعدة مناطق فلسطينية. كما لعبت مواقع التواصل الإجتماعي دوراً مهماً في تسليط الضوء على الأحداث في فلسطين خاصة بعد استهداف مباشر للصحافيين/ات والمباني التي تضمّ مكاتب مؤسسات إعلامية إقليمية ودولية، وما لبثت أن جذبت اهتمام وكالات الأنباء والمؤسسات الإعلامية الدولية وكذلك الناشطين/ات في جميع أنحاء العالم الذين بدأوا بتنظيم تظاهرات ووقفات احتجاجية داعمة للقضية الفلسطينية ومعارضة للعدوان على الفلسطينيين/ات. 

لم يكن الاعتداء على الناشطين/ات والصحافيين/ات جديداً في فلسطين اذ أن العديد من الصحافيين والمنظمات الحقوقية وثّقت اعتداءات مماثلة متعدّدة على مرّ السنوات السابقة. تقول ريهام مقادمة، متدرّبة برنامج تعزيز المهارات للنساء في الأخبار عام 2018 التي تعمل حالياً في مجال رصد الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون في الضفة والقدس، أن “غالبية الانتهاكات التي يتعرض لها الصحافيون في القدس تتلخص في المنع من التغطية أو الإبعاد عن المكان أو تفتيش الصحافيين ومعدّاتهم أو التهديد والترهيب، كما تصل أحياناً للاعتقال عدة ساعات والتحقيق وحتى الضرب من قبل جنود الاحتلال خلال التغطية الصحفية. أمّا في غزة ولظروف العدوان، فقد تركّزت الانتهاكات في قصف منشآت إعلامية وتدميرها، تدمير معدات صحفية وإصابات جسدية للتهديد والترهيب وهنا أتحدث عن انتهاكات داخلية.”

تزداد هذه التحدّيات بالنسبة للصحافيين/ات الذين يعملون بشكل حر (فريلانسر)، والذين لا يمتلكون دعم أو حماية مؤسسة إعلامية. بحسب عزيزة نوفل، متدرّبة برنامج “النساء في الأخبار” لعام 2018، كانت “تغطية المواجهات بالنسبة لصحافية مستقلة صعبة للغاية، بدون معدات سلامة كدرع وخوذة وخاصة في ظل استهداف الصحافيين من قبل جنود الاحتلال. لذا كانت التغطية تقتصر على العمل المكتبي، وهو ما يقلّل من فرصة الوصول إلى المعلومة الصحيحة بالوقت الصحيح.”

بالإضافة الى التعامل مع الاعتداءات المباشرة على الصحافيين، يترك كل ما يحدث في فلسطين من قتل واشتباكات مسلّحة وشحّ الدعم المادي والمعنوي للصحافيين على الصحّة النفسية للعديد منهم/نّ. يتزايد هذا الضغط النفسي والمعنوي على الصحافيات النساء اللواتي يتعرّضن للمزيد من الانتهاكات التي يصعب عليهنّ تجنّبها خاصة اذا كنّ لا يحظين بدعم مؤسسة إعلامية أو جهة حقوقية. هذا ينطبق على الصحافيات متدرّبات برنامج “النساء في الأخبار” في فلسطين اللواتي نشطن كسائر الصحافيين/ات في تغطية الأحداث الأخيرة إمّا من خلال منصّات إخبارية أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. 

تضيف ريهام، واقع الصحافيات الفلسطينيات مليء بالتعقيدات. “فبشكل عام أجور الصحافيات غير منصفة، واقع الاحتلال والاعتقالات التي تطال بعض الزميلات الصحافيات لا يخفى على أحد، حرية العمل الصحفي معقدة نظراً لظروف الاحتلال، إن كانت المرأة تجد صعوبات في ظروف العمل عامة، فالمرأة العاملة في مجال الصحافة تواجه كل شيء بشكل مضاعف.”

كان للاهتمام بالدعم النفسي والآثار النفسية للاشتباكات على الصحافيين/ات حيّز خاص من الاهتمام خاصة بعد أن انشار العديد من الصور والفيديوهات الدموية على مواقع التواصل الاجتماعي التي حفّزت العديد من مستخدمي/ات مواقع التواصل والصحافيين/ات للفت الأنظار الى أهمية الصحة النفسية والحماية الشخصية للعاملين/ات بمجال التغطية الإخبارية. 

تشارك صحافية من القدس ومتدرّبة برنامج “النساء في الأخبار” فضّلت عدم اللإفصاح عن هويتها خبرتها حول آثار تغطية الأحداث العنيفة على الصحة النفسية. “نحن في القدس على تماس مباشر ويومي مع الاحتلال وانتهاكاته وممارساته. اليوم هناك قضية الشيخ جراح لكن هناك دائماً هدم واعتقالات واقتحامات. نحن بشر في النهاية ونتاثر بكل هذا، خاصة عندما نغطي قضية عائلة هدم منزلها، أو أكثر من ذلك، هدمته هي بنفسها بناء على طلب بلدية الاحتلال حتى لا تتكلف دفع رسوم الهدم؛ أو اعتقال أطفال وشبان أو إهانتهم. كل هذا يترك أثره النفسي. أنا منذ العام 2017 وحتى اليوم متأثرة بتغطية أحداث البوابات الالكترونية واستشهاد أحد الشبان الذي قمت بتوثيق تهريب جثمانه من سور المستشفى إلي المقبرة حتى لا يتم احتجازه ووضعه في ثلاجات الاحتلال كما العشرات من الشهداء.” 

تعقيباً على ذلك، تصف ريهام الصعوبات التي واجهتها كصحافية تعمل من الضفة الغربية وتتابع الأخبار الحساسة من خلال زملاء وزميلات يضعون حياتهم/نّ بخطر لنقل الخبر وتقول ” كنت على تواصل شبه دائم مع الزملاء والزميلات في قطاع غزة الذين تعرضت مكاتب الكثيرين منهم للقصف، لذلك كانت فترة صعبة جداً ما بين القلق عليهم وضغط العمل الذي يعانون منه. كل هذا كان يشكل لي هاجساً عند مشاهدة الأخبار على شاشة التلفزيون أو الهاتف المحمول، فأنا أدري تماماً كيف أن هذه الأخبار، لتخرج بهذه الدقة والمهنية، هي نتاج ساعات طويلة من العمل وعدم النوم، لذلك كنت حساسة جداً عند متابعة كل الأخبار سواء كفلسطينية يفصلها الاحتلال عن قطاع غزة، أو كصحافية لا تستطيع تقديم أكثر من بعض الدعم النفسي لزملاءها في قطاع غزة.”

“بالنسبة لي كفلسطينية، الأمر مزعج بالتأكيد، فأنا كما يقولون بين نارين، أحاول إظهار ما يتعرض له شعبي من انتهاكات وجرائم تمارس ضدّه من قبل الاحتلال وبما يخدم الرواية الفلسطينية التي أرى أنها صحيحة وعلى حق، وما بين الحياد الذي يتطلبه عملي والموضوعية وتقديم الحقائق كما هي دون مواربة.” 

استجابة لحاجات الصحافيات في فلسطين، قام برنامج النساء في الأخبار بتنظيم جلسة تدريبية حول السلامة الجسدية للصحافيين/ات في مناطق النزاع يوم 26 أيار/مايو 2021، كما أطلق نسخة استثنائية من من مبادرة إنتاج التقارير حول الأثر الاجتماعي للصحافيات الفلسطينيات تقدم دعماً مباشراً للصحافيات الأفراد العاملات داخل فلسطين، على شكل رعاية مالية لدعم إعداد تقارير صحفية تغطي الأزمات الإنسانية التي تعيشها فلسطين حالياً مع تركيز هذه التقارير بشكل خاص على الفئات الضعيفة أو المهمشة من السكان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *