عام الإغلاق: كيف تأثرت غرف الأخبار العربية بالجائحة؟

في شهر إبريل الماضى، كانت غالبية دول العالم تدخل تجربة الإغلاق الكامل في محاولة جماعية لتحجيم انتشار فيروس كورونا، وضمن عمليات الإغلاق وحظر التجول تأثرت غرف الأخبار في مختلف المناطق بدرجات متفاوتة، وظهرت العديد من الإجراءات التنظيمية والأفكار وجداول العمل التي تحاول التفاعل مع الظرف غير المسبوق، وبعد مرور عام على حالة الإغلاق حاولنا استطلاع آراء الصحفيات في تلك التجربة الشاقة وكيف تغير إيقاع العمل، وما هى توقعات الفترة المقبلة.

عن تلك التجربة غير المسبوقة، تقول رضوى عبد اللطيف، الصحفية المصرية، ومدير التخطيط الاستراتيجي بمؤسسة صحافة الذكاء الاصطناعى، أن التأثير المباشر مع انطلاق أزمة كورونا كان صدور قرارات تنظيمية بالمؤسسات الصحفية بتقليل الأعداد المتواجدة في غرفة الأخبار، مع عمل الصحفيات من المنزل دون حضور لمواقع العمل، وهو ما أدى إلى تقليل إنتاج الصحفيات، بالإضافة إلى تأثر إنتاج المحتوى عموما من ناحية الكم ومن ناحية التنوع، حيث كانت الغالبية العظمى من الموضوعات تتعلق بالفيروس في تنويعاتها المختلفة،
كما عانت غرف الأخبار من ضغوط إصابة بعض الزملاء بالفيروس وهو ما أثر على الإنتاج الصحفى عامة.

وترى ليال حداد، الصحفية اللبنانية، ومسؤولة قسم الميديا والمنوعات في “العربي الجديد”، أن أبرز ما سيطر على المشهد الإعلامى هو فقدان التواصل البشرى داخل غرفة الأخبار، حيث كانت النقاشات والحوارات التقليدية تؤدى إلى تطوير الأفكار، وهو الأمر الذى افتقدته كثيرا غرف الأخبار خلال فترة الإغلاق لأن برامج التواصل عبر الإنترنت لا تسمح بهذا النوع من التفاعل الإنسانى، بالإضافة إلى ذلك أثبتت فترة الإغلاق وما صاحبها إمكانية العمل خارج المكتب، وأن الكثير من الاجتماعات التقليدية يمكن التغاضى عنها أو تنفيذها دون حضور للأشخاص ودون إهدار الوقت أيضا.

وترى ليال أن الجائحة سيطرت على كافة التغطيات في جميع المجالات بما في ذلك السياسة والاقتصاد والفن والرياضة، إلا أن التأثير المباشر داخل غرف الأخبار العربية كان تزعزع الأمان الوظيفى، حيث أكدت الضغوط مدى هشاشة قطاع الإعلام من الناحية الاقتصادية خاصة مع تقليل الأعداد وتقليل المرتبات في العديد من الحالات، الأمر الذى يطرح الكثير من الشكوك حول مستقبل المهنة ومدى استقرارها.

تجربة أخرى خاضتها هبة جوهر، الإذاعية الأردنية، خلال عام الجائحة، حيث كانت الإذاعة المجتمعية التي تعمل بها لا تضم أكثر من 10 أشخاص من العاملين، وكان العمل يتم تحت ضغط توقيتات ساعات الحركة المسوح بها قبل حظر التجوال، ولكن المشكلة الأكبر كانت في أن الإذاعة تعتمد على الجمهور الذى يستمع لبرامجها خارج المنزل، سواء أثناء قيادة السيارة ذهابا وعودة للمنزل، بالتالى كان التحدى الأكبر هو البحث عن أفكار جديدة ومبتكرة للوصول إلى الناس مع العمل في بيئة آمنة، وهنا كان الفكرة هي تحويل المنزل إلى ستوديو إذاعى والعمل من المنزل، بطبيعة الحال كانت ظروف العمل أصعب خاصة مع عدم وجود أرشيف من الأغانى والمواد الإذاعية كما هو الحال في الاستوديو، بالإضافة إلى صعوبة التواصل والتنسيق مع المراسلين والفنيين لإنجاز الأعمال المطلوبة، ولكن رغم ذلك استطعنا تقديم تجربة جديدة أثبتت حضورها في وقت الأزمة، وأكدت أن الأفكار المختلفة يمكن أن تنجح تحت ضغط الحاجة مع توافر الإرادة للتنفيذ.

وعلى الرغم من أن أزمة كورونا لم تنته بعد، إلا أن الظروف بدأت في التغير داخل غرف الأخبار بعد عام كامل من الظروف الاستثنائية، وترى رضوى عبد اللطيف، إن الأمور بدأت بالفعل في العودة التدريجية لما قبل الجائحة، ولكن ما تزال جداول العمل التي تقلل أعداد العاملين المتواجدين سائدة في غالبية غرف الأخبار، وإن كانت أدوات التواصل عن بعد سوف تستمر في التواجد الدائم ضمن بيئة العمل خاصة مع ثبات كفاءتها وفعاليتها خلال أزمة الجائحة.

وتوافق ليال حداد على هذا التصور، حيث ترى أن العديد من المحررين والصحفيين سوف يستمرون في العمل من المنزل، وربما تستمر معدلات تقليل العمالة، ولكن تدريجيا سوف يستعيد العمل إيقاعه السابق، ورغم أنه من الصعب تصور حدوث تغيير جذرى عن أساليب العمل القديمة، ولكن المؤكد أن الإعلام سيحتاج إلى أنظمة عمل جديدة، وإلى قوانين جديدة لحماية الصحفيين، خاصة وأن أزمة الوباء كشفت هشاشة أنظمة حماية الصحفيين.

وترى هبة جوهر أن الإعلام سوف يستمر في أداء دوره رغم زيادة المخاطر مع عدم السيطرة على الوباء، وأنه من المهم أن تزداد مساحة التغطيات العلمية والطبية بطريقة موثقة، وربما يزداد في الفترة المقبلة العمل على توثيق قصص الناس وهمومهم في تلك الفترة الصعبة، بالإضافة إلى زيادة المحتوى المنتج بحرفية للشبكات الاجتماعية والذى أثبت قدرته على الانتشار والنجاح خلال فترة الإغلاق.

تلك التجربة غير المسبوقة، كان لها العديد من الآثار السلبية بالإضافة إلى بعض الإيجابيات، وترى رضوى عبد اللطيف أن تلك المرحلة كانت فرصة هائلة للحصول على التدريبات المهنية التي توافرت بكثرة من خلال عدة جهات دولية، ومع توافر الوقت كانت الفرصة متاحة للمعرفة وبناء القدرات من أجل مستقبل أفضل، كما أكدت أهمية الصحافة الالكترونية والمنصات الرقمية، والأهم من ذل كله تأكيد دور الصحفى المحترف المهنى المدقق للمعلومات والناقل لها بأمانة.

وترى ليال حداد أن هناك الكثير من الدروس المستفادة، منها وجود الكثير من الوقت الضائع في أساليب العمل التقليدية والذى يمكن استثماره بأساليب افضل، والتأكيد على أهمية العمل داخل غرفة الأخبار لأن غياب التفاعل يقلل الإبداع بشكل كبير، كما كشفت الأزمة بوضوح أن وضع الصحفيين العرب هش للغاية وهو الأمر الذى يجب العمل على تغييره.

بينما ترى هبة جوهر أن أهم ما خرجت به من تلك الفترة هو ضرورة تطوير الصحفى لمهاراته خاصة في الجانب التقنى، والاعتماد على النفس في جميع مراحل إنتاج المادة الصحفية، وعدم التوقف عن العمل مهما كانت الظروف المحيطة والحرص على تدقيق ونشر الحقائق والمعلومات الصحيحة للجمهور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *