جدران بيضاء ..عنف أسود

تحذير: يتضمّن هذا المقال وصف لحوادث عنف أسري
 

عطاف الروضان 
مديرة راديو البلد، الأردن، الفائزة بجائزة الريادة التحريرية للنساء في الأخبار عن المنطقة العربية لعام 2020

بحكم عملي أتنقل في شوارع العاصمة  التي خيم عليها الصمت -على غير العادة – نتيجة للحظر الذي فرضته السلطات الأردنية خوفا من فيروس كورونا، لكن جدران بعض المنازل البيضاء لم تستطع إخفاء أصوات العنف السوداء. صحيح أنه لم يكن غريباً أن اسمع صوت العنف الأسري في نبرات أصوات الفتيات والنساء اللواتي التقي بهنّ، أو أحس به  خلف نظرات  بعضهنّ، أو أراه أحيانا على شكل كدمات فشل طلاء الوجه  بإخفاءها.

صوت الأطفال والنساء والفتيات المعنفات والإستغاثات خلف الجدران التي حبست “المعنف” مع الضحايا بفعل الحظر يشعرني بالعجز والضعف وبعبث رحلتي اليومية إلى مكتبي ويضيق  صدري بسؤال: “لماذا تزداد المشكلة عمقاً كلما تحدثنا أكثر؟ ما الفائدة من الحديث المستمر عن وقف العنف الواقع على النساء واليافعات ونحن نشهد يومياً انتهاكات متكررة عليهن؟!”.
الأصل أن السلطات الرسمية تتخذ إجراءات قانونية وقضائية لمجابهة العنف، رغم إنشغالها بالوباء. والتشريعات -رغم التحفظات – تجرّم العنف، مؤسسات المجتمع المدني والإعلام المتخصص لا تهدأ في محاولة وقف سيل ممارسات التعنيف ضد النساء بدء من اللفظ وانتهاء  بالقتل.

لكن كل ذلك لم يمنع  بعض أفراد المجتمع من استهجان ورفض محاولة تدخل لفتح باب شقة يصل صوت الضرب فيها للخارج، لم يمنع أب أن يشرب الشاي عند جثة ابنته التي هشم راسها في إحدى ضواحي عمان الفقيرة، لم يمنع عائلة من الشكوى من المصاريف الزائدة لإبنتهم المعنفة والناجية من جريمة محاولة القتل على يد زوجها، واصبحت عبئاً ثقيلاً عليهم بعد أن عادت إليهم مع أطفالها، ولم تمنع أخاً من تزويج شقيقته التي طلّقت زوحها المعنّف لآخر مدمن.

ومواقع التواصل الإجتماعي لم تساعد كثيراً في هذا الإتجاه بل أصبحت في مجتمع يستسهل تجريم الضحايا وتحميلهنّ المسؤوليه وسيلة أخرى  مبتكرة للقمع الإفتراضي والتحرش والتنمر خلف الشاشات، هي نتاج أفكار ومعتقدات قاصرة حبيسة  لأسطورة شرف العائلة وماء الوجه والصورة المجتمعية المحافظة حتى لو كانت وهمية.

بداية هذا العام قالت الأمم المتحدة  في بيان صادر عن مكتبها في الأردن إن “حالات العنف القائم على النوع الاجتماعي ارتفعت في الأردن” مطالبة الحكومة الأردنية والمجتمع المدني بتوسيع “نطاق حملات التوعية للقضاء على كافة أشكال العنف في المجتمع “.

وأكد البيان أنه في ظل جائحة كوفيد-19   “لن يكون هناك أي تقدم محرز نحو تحقيق الإمكانات الكاملة للتنمية البشرية والاقتصادية التي تعتبر أساسية لتعافي البلاد، حتى تكون كل فتاة وامرأة في الأردن في مأمن من العنف”.

إن أكثر ما يخيفني هو: جيل جديد من الشاب لا يؤمن ابداً بالعدالة والمساواة، ويجرّم كل ما يمثل تاء التأنيث الساكنة خوفاً وقمعاً وعجزاً، في مجتمع يرفض كل ما هو منصف للآخر والمختلف. وأصبحنا نرى في سبيعينات القرن الماضي حالة حضارية متقدمة عن القرن الحالي وما يحمله من زخم تكنولوجي ومعرفي .
وهذا ما يجعلني مؤمنة بأن ما نقوم به جميعاً مهم ولكن المطلوب جهوداً أكبر وحزماً أكثر من جهات رسمية وحكومية تقف إلى جانب نصف المجتمع لكي يتعافى النصف الآخر. على المجتمع أن يدعم القوانين التي تجرّم العنف ضد النساء لا أن يتحدّاها ويضغط على النساء لإجبارهنّ على الصمت. حماية الناجيات هو مسؤولية المجتمع بأكمله. 

كيف يمكن للمجتمع أن يدعم الناجيات؟ 

– معرفة والاقتناع بأن الناجية ليست ملامة على العنف الذي تعرّضت له. 
– عدم طرح أسئلة على الناجية تدلّ على أنها مذنبة اثر العنف الذي تعرّضت له (مثلاً: ما قلتِ/فعلتِ ليقوم بضربك؟ ماذا كنت ترتدين عندما تعرّضت للتحرّش؟ لماذا قاومتِه عندما كان يعنّفك؟) 
– مساعدة الناجيات للخروج من الوضع العنيف الذي يعشنه، كمساعدتهنّ في وجود ملجأ أو الانفصال عن المعنّف. 
– الدعم النفسي للناجيات مهم. علينا أن نشعرهنّ أنهنّ لسن وحدهنّ وأن هناك من يساندهنّ. 
– عدم اجبار الناجية على الصمت خوفاً على شرفها. التعرّض للعنف لا يمسّ بشرف الناجية أو عائلتها. 
– مساعدة الناجيات باللجوء الى أشخاص متخصصين لمساعدتهنّ كطبيب نفسي أو محامٍ أو جمعية حقوقية متخصصة بمساعدة الناجيات. 
– تذكّر أن العنف التي تتعرّض له النساء يسيء أيضاً لأولادها اذا تعرّضت لعنف أسري. حماية الأطفال واجب أيضاً. 
– إعطاء المساحة للنساء الناجيات لبناء قدراتهنّ والاتكال على أنفسهنّ اقتصادياً ونفسياً واجتماعياً ودعمهنّ في خياراتهنّ. 
 

إذا تعرّضتِ للتحرش أو الاعتداء وتحتاجين إلى دعم، فإليك بعض الموارد والمنظمات التي يمكنها دعم الناجيات من الاعتداء الجنسي: http://womeninnews.org/resource/48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *