الصحافيون/ات: مراقبون حياديّون أم مناصرون للتغيير؟

متى يمكن للصحافي/ة أن يكون له موقفاً أو رأياً في قضيّة يعمل على تغطيتها؟ 

تتصارع غرف الأخبار الغربية للإجابة على هذا السؤال في حين يتخبّط الصحافيون/ات تحت ضغط وسائل الإعلام لمساندة بعض القضايا المهمّة التي طرأت في عام 2020، كالعنف القائم على الجندر الذي كان نتيجة الحجر المنزلي خلال جائحة كوفيد-19، وحملة "حياة السود مهمّة" وقضايا التغيّر المناخي. 

هل تعاني غرف الأخبار الأفريقية من المعضلة نفسها، وما هي القواعد التي يتّبعها الصحافيون العرب الذين واجهوا التحدّي نفسه خلال الربيع العربي؟ طرحنا بعض هذه الأسئلة على محرّرين/ات ومدرّبين/ات لمعرفة رأيهم/نّ بإشكالية الموضوعية والمناصرة والصحافة. 

تتطلب ممارسة الصحافة التقليدية من الصحافيين/ات أن يكونوا محايدين للحفاظ على قدرتهم على الإبلاغ عن قضية بموضوعية. هذا الحياد مهم بشكل خاص عندما يتعلق الأمر بتغطية المواضيع السياسية. 

ولكن في عالم ينقسم بشكل متزايد، يواجه هذا المعيار تحديًا من قبل الناشطين الشباب والصحافيين الشباب في غرف الأخبار التي تحدد الاتجاهات العامة، مثل نيويورك تايمز، والتي هي مقتنعة بأن الصحافيين بحاجة إلى اتخاذ موقف بشأن القضايا الاجتماعية الكبيرة في عصرنا.

هل هذه مجرد فجوة بين الأجيال، أو بداية لشيء أكبر يمكن أن يغير طريقة تدريس وممارسة الصحافة، مثل الطريقة التي غيّر من خلالها الربيع العربي الصحافة في الشرق الأوسط؟

بالنسبة للتقليديين، لا تزال صحافة المناصرة، التي تمزج التقارير مع وجهة نظر الصحافي، مجالًا متنازعًا عليه. ولكن يبدو أن هناك قبولًا متزايدًا بين المحررين الذين تحدثنا إليهم في إفريقيا والمنطقة العربية بأنه من الصواب أن ترفع النساء أصواتهنّ بشأن انتهاكات حقوق الإنسان. لا سيما عندما يتعلق الأمر بقضايا المرأة والمجتمعات المهمشة – مثل الوقوف ضد العنف القائم على الجندر، والاعتداء الجنسي، والتحرش، وعدم المساواة والعنصرية.

لكن أن تكونك صحافيًا مناصراً لقضايا معيّنة لا يخلو من المخاطر، خاصة عند تغطية القضايا السياسية والتغيير الاجتماعي الكبير. حدث هذا في مصر حيث يتم إسكات الصحافيين والمدونين أو زجّهم في السجن أو نفيهم. تقول الصحفية المصرية ومتدرّبة برنامج النساء في الأخبار لينا الورداني أنه "بعد الربيع العربي، حدثت زيادة كبيرة في مجال المناصرة والصحافة الحرّة في جميع أنحاء العالم العربي. وبعد ذلك، عندما تم إسقاط بعض الأنظمة، أصبحت الصحافة أكثر حرية. ولكن الآن، بعد القمع العسكري والقبضة القوية على الإعلام، أصبحت الصحافة مهزومة وصامتة ومهددة. في مصر، كل الأسماء الكبيرة المرتبطة بالصحافة هي الآن إما في السجن أو المنفى أو تحت الإقامة الجبرية."

قالت معلمة الصحافة ومقرها بيروت ماجدة أبو فاضل، عندما نتحدث عن صحافة المناصرة، فإننا لا نتحدث عن "حمل أعلام أو لافتات مثل المتظاهرين. كان همنغواي صحافيًا ومناصراً خلال الحرب الأهلية الإسبانية. وآخرون كانوا كذلك أيضًا. أراها في لبنان مع كل الصراع المدني الذي نواجهه، ولكن أعتقد أنه يجب رسم خط للتمييز بين الصحافة والشعارات. وهناك فرق بسيط بينهما."

إذن ، أين تأتي المناصرة؟ تقول مارجريت سوليفان، المعلقة الإعلامية في صحيفة واشنطن بوست، إنها تتعلق بالخيارات التي يتخذها الصحافيون – أي القصص التي يغطونها، والأشخاص الذين تجري مقابلتهم وكيفية كتابة التقارير. 

تعتقد باميلا سيتوني، المحررة التنفيذية في Nation Media Group في كينيا، أن دور الصحافة تحول ليركّز أكثر على الإبلاغ والتثقيف والترفيه. في القضايا الاجتماعية، مثل الاعتداء الجنسي، وحقوق الإنسان، والعدالة، حيث توجد مصلحة عامة واضحة، "عندها علينا كصحافيين المشاركة، واتخاذ موقف من هذه القضايا وإعلانه".

مثال على ذلك، الموقف الجريء الذي اتخذته Daily Nation ضد الاغتصاب – والتي زادت حالاته خلال الحجر. وقالت سيتوني أنه، في قضايا مثل هذه، "يجب أن يكون الصحافيون مناصرون للقضايا، لا يمكن أن نكون مجرد ناقلين للرسائل بعد الآن.


باميلا سيتوني

وقالت جويس شيبي، رئيسة تحرير مجموعة Clouds Media Group، إن هناك العديد من الحوادث في تنزانيا حيث فشل الصحافيون في التصرف بشكل احترافي من خلال اتخاذ المواقف. كان أحد الأمثلة على ذلك حين اختلفت المذيعة، في البث التلفزيوني المباشر، مع وجهات نظر زعيم المعارضة، مما أثار ضجة على وسائل التواصل الاجتماعي.

"بصفتي محررة، أميل إلى نصح المراسل حول كيفية التعامل مع المشكلة بشكل مستقل دون التحيز مع الالتزام بالأخلاقيات المهنية".

"يمكن للصحافيات الشابات استخدام صوتهن لإحداث تغيير في القضايا المشروعة، مثل قضية التحرش الجنسي والعنف القائم على الجندر وحقوق الإنسان والفساد، إلخ."

وحذرت شيبي من احتمال تعرض الصحافيات للخطر عند كتابة قصص استقصائية حول موضوع العنف القائم على الجندر خاصة مع الأحزاب السياسية وقضية الفساد في السياسة والرياضة والهيئات الحكومية."

تقول فريال هافاجي، الصحافية والمحررة التي تتخذ من جوهانسبرج مقراً لها، إن وسائل التواصل الاجتماعي سرعت الاعتقاد بأن الصحافي هو خبير رأي.

 "يشكّل كلّ منّا إعلاماً بحد ذانه في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، رغم أنها كسرت بعض الجدران التي ربما لم يكن ينبغي تحطيمها. لا يزال يتعين علينا نشر الأخبار بكل مبادئها الكلاسيكية المتمثلة في إخبار جميع جوانب القصة، وأن نكون منصفين ومنفتحين خلال هذه العملية. ولكن بمجرد أن تعطي رأيك أثناء عملية إعداد التقارير، فإنك تتخذ جانبًا معيّناً، وبالتالي تقلل من ثقة القراء بعملك."


فريال هافاجي

بالنسبة لهافاجي، إنها معضلة حقيقية، لكنها ليست جديدة. "توفّر رموز الأخلاقيات مفتاحًا: نحن بحاجة إلى أن نكون واضحين عند نشر الأخبار أو التعليق، سواء كان ذلك على وسائل التواصل الاجتماعي أو على منصات إعداد التقارير (المطبوعة ، أو عبر الإنترنت ، أو التطبيقات، أو التواصل الاجتماعي). في تغريداتي، أشير إلى الأشياء على ما هي: لذلك يتم وضع علامة "تعليق" على جميع الآراء. ولا يزال الحل غير كامل.

بعض المؤسسات الإعلامية الكبيرة لديها سياسات صارمة على وسائل التواصل الاجتماعي – تمنع صحافييها من التعبير عن رأيهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي سياسة وجدت هافاجي أنها تقييدية عندما عملت في بلومبرغ. "بالنسبة لي، كان ذلك مقيدًا للغاية لأنني أرغب في الحصول على مساحة في المكان العام (وتلك المساحة تتزايد على وسائل التواصل الاجتماعي)، ولكن، كيفية الانخراط في هذه المساحات تشكل معضلات للنشطاء أو الحملات الانتخابية."

"لقد وصلت إلى نقطة اختيار الحملات التي أناصرها (الحريات الإعلامية، مكافحة الفساد، مناهضة العنصرية) حيث أصبح الصحافي الناشط أمرًا لا غنى عنه في الحياة التي اخترتها. ولكنني أدرك أيضًا أن وجود رأي في كل شيء أثناء كتابة التقارير يضر بمصداقيتي والتزامي بالمهنة."

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.