مقابلة حول التوازن الجندري في المحتوى الإخباري مع إيهاب الزلاقي

مقابلة حول التوازن الجندري في المحتوى الإخباري مع إيهاب الزلاقي، رئيس التحرير التنفيذي في صحيفة المصري اليوم وعضو اللجنة التوجيهية لبرنامج النساء في الأخبار.

س: برأيك، لماذا التوازن الجندري بالمحتوى الإخباري مهم؟ 

التوازن الجندري في المحتوى الإخباري مهم لأننا نتعامل مع مجتمع نصفه من النساء. وبالتالي، تشكّل المرأة نظرياً نصف الجمهور الذي نستهدفه. إذا كانت الوسيلة الإعلامية تسعى للوصول الى أكبر عدد ممكن من القرّاء والمستهلكين لمحتواها، عليها ألّا تُغفل نصف القرّاء المحتملين. 

بهذا المنطق، على كل مؤسسة تريد أن تنجح وأن تصل الى عدد أكبر من الجمهور أن تأخذ المرأة بعين الاعتبار. وهذا لا يعني أن تقدّم المؤسسة موضوعات نمطيّة وخاصّة بما يسمّى بموضوعات المرأة كالطبخ والعناية المنزلية والمكياج، إنّما عليها أن تضع من ضمن اهتماماتها تلبية احتياجات هذا الجمهور وفق الدراسات التي تجريها.

على الجانب الآخر، إن تمثيل النساء داخل غرف الأخبار مهمّ أيضاً لأنه يمكن أن يقدّم أفكاراً مختلفة ويسمح برؤية القضايا من زوايا تختلف عن طريقة تفكير الرجل بشكل عام. وإن تحدّثنا بشكل أساسي عن معيار الكفاءة بالترقّي والوصول الى المناصب القيادية والوجود الفعلي للنساء في المؤسسة الإعلامية، يجب أن تكون المرأة ممثلة بشكل جيد في قوة العمل الموجودة داخل المؤسسة.

س: ما هو عدد قراء المصري اليوم (أو النسبة المئوية) من النساء وكيف تعملون لزيادة عدد النساء من القراء؟ 

ليس لدينا نسبة محدّدة لعدد القارئات النساء لصحيفة المصري اليوم، ولكن يمكنني الجزم أن للجريدة قاعدة قراء متنوّعة جداً، ويمكن متابعة ذلك من الأرقام والإحصاءات الديمغرافية المرتبطة بالسّن والمكان الجغرافي. بالإضافة الى ذلك، نلاحظ تنوّعاً كبيراً على مستوى التفاعل على الشبكات الاجتماعية الخاصة بالصحيفة ومواقع التواصل الاجتماعي حيث هناك نسبة جيدة جداً من النساء اللواتي يتفاعلن من خلال إعادة التغريد أو التعليقات أو الاقتراحات، ويمكن من ذلك الاستنتاج أن هناك عدد كبير من النساء اللواتي يقرأن صحيفة المصري اليوم، مع العلم أن الصحيفة لا تخصّص صفحات تعنى بموضوعات النساء. يجذب المحتوى الجيّد القرّاء سواء كانوا رجالاً أو نساء. 

س: وجدت العديد من المؤسسات الإعلامية العالمية أن المواضيع التي تهتم لها النساء ليست بالضرورة مطابقة للصور النمطية، إذ أن الكثير من النساء يهتممن بالاقتصاد والسياسة. ما هي المواضيع غير النمطية التي تجذب قارئات المصري اليوم وهل هناك احصاءات وأرقام حولها؟ 

لا تركّز الصحيفة على المواضيع المخصصة للنساء وصفحات المرأة وقضايا المرأة والقصص التي يعتقد الكثيرون أنها تهمّ المرأة بشكلٍ نمطي، إنما نطرح الكثير من الموضوعات في قضايا عامة تكون المرأة بطلتها بشكل كبير، وبالتالي تجذب جمهوراً أكبر من النساء. 

على سبيل المثال، نشرنا منذ فترة وجيزة تحقيقاً مهمّاً يتناول ظاهرة الزواج من العرب في مناطق فقيرة في بعض الأماكن في مصر، حيث تزوّج بعض العائلات بناتها الصغيرات من رجال كبار في السن. كانت ردود فعل النساء على هذا التقرير أعلى من ردود فعل الرجال، بوقت لا يمكن اعتبار هذا الموضوع كموضوع مخصّصٍ للنساء.  

على عكس ذلك، هناك موضوعات أخرى نعتقد أنها تهمّ النساء أكثر من الرجال، ولكن في حقيقة الأمر تكون الاستجابة مختلفة. أذكر مثلاً مجموعة من الأخبار والتقارير والتحقيقات التي تتناول قانون الأحوال الشخصية الجديد التي تتم مناقشته في البرلمان المصري والذي يتعلّق بالزواج والطلاق والحقوق وحضانة الأطفال. إعتقدنا أن موضوعاً كهذا سيجذب عدداً من النساء أكبر من عدد الرجال. لكن بالحقيقة، حدث العكس تماماً اذ أن الرجال كانوا أكثر اهتماماً. وهذا من أنواع القضايا الجدلية التي تجذب جمهورها بغض النظر عن نوعه الجندري. 

بالتالي، عندما نعبّر عن القضايا الأساسية التي تهمّ شرائح واسعة من المجتمع في التغطية الإخبارية، تكون نسبة القراءة والتفاعل عالية جداً، وخاصة عندما تكون المرأة بطلة رئيسية في القصة ويكون للموضوع أبعاداً اجتماعية وثقافية ودينية مختلفة. مثلاً، من الموضوعات التي تثير الاهتمام وتفتح الباب للجدل والحوار موضوع ختان الاناث الذي تناولناه عدة مرات ان كان من باب التشريعات التي كانت تناقش للحد من هذه الظاهرة، أو من باب الرؤيا الدينية أو لعرض قصص انسانية تتناول بعض المآسي المرتبطة بهذه الظاهرة. عادة ما يكون التفاعل على هذه الموضوعات كبيراً وتظهر فيها المرأة كبطلة رئيسية بطبيعة الحال، ولكن أيضاً كمستهلكة رئيسية لهذا المحتوى وتتفاعل معه بشدة. 

س: ما هي المواضيع التي تنشرونها للمحافظة على القراء من النساء؟ وهل هناك جدول لذلك مثل بعض المؤسسات التي تنشر موضوعاً متعلقاً بالنساء أسبوعياً على الصفحة الأولى على سبيل المثال؟ 

ليس لصحيفة المصري اليوم خطة مباشرة لنشر موضوعات خاصة بالنساء كنشر موضوع متعلّق بالنساء أسبوعياً على الصفحة الأولى، لكننا بشكل عام نعتمد أسلوب محاولة البحث عن القصص ذات الاهتمام لأوسع قطاع ممكن من المجتمع. المشكلة التي نواجهها في بعض الأحيان هو نسبة ظهور النساء القليلة مقارنةً بالرجال كمصادر للموضوعات وذلك بسبب قلة وجود النساء في بعض المهن والمناصب الأساسية. بالتالي، تكون قوائم المصادر مليئة بالرجال بشكل أكبر. 

عادة ما نحاول إيجاد أفضل المصادر في الموضوعات التي نغطّيها، ونحاول بذل جهود حقيقية في إدخال النساء في القصة كمصادر رئيسية. ليست لدينا خطة لخلق أو تخصيص قسم من الصحيفة للنساء فقط. 

للصحيفة ملحقاً وهو "المصري لايت" ويركّز على المواضيع الخفيفة وفيه خليط من القصص الفنية والانسانية والاجتماعية. من خلاله، لاحظنا أن النساء يهتممن بالمواضيع التي تُعنى بالمجتمع بشكل كبير.

لا نهدف الى وضع النساء في خانة ونقدّم لهنّ مواد خاصة بهنّ. بل على العكس، نحاول تقديم المواضيع التي تهمّ الرأي العام كالمواضيع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفنية، ونُظهر النساء بشكل طبيعي في هذه المواضيع كمصادر وكمستهلكات لهذا المحتوى ومتفاعلات معه. 

س: هل هناك محاولات لزيادة عدد المصادر/الخبيرات من النساء لتعزيز التوازن الجندري في المحتوى. اذا نعم، ما هو الأسلوب أو الطريقة المتّبعة؟

نحاول دائماً أن نرفع عدد المصادر من النساء. هناك أيضاً بعض الهيئات الرسمية التي تحاول بذل جهود كبيرة في هذه المجال كالمركز القومي للمرأة في مصر الذي يركّز على القضايا الاجتماعية وعلى العقبات التي تواجه النساء في مصر. بالتالي، أصبح المركز بمسؤولاته وخبيراته أحد مصادرنا الأساسية، ونحاول أن نبحث عن الخبيرات والمتخصصات في المواضيع التي نغطّيها، خاصة المواضيع الحساسة التي تطال المرأة كقانون الأحوال الشخصية على سبيل المثال.

للأسف، في مجالات مختلفة، يكون الرجل هو العنصر السائد لأنه سائد اجتماعياً. لذا، نحاول بذل جهود إضافية لتعزيز التوازن الجندري. مثلاً، خلال اجتماعات فريق التحرير، نطلب من الصحافيين أن يكون هناك وجهة نظر نسائية في المواضيع، وإيصال صوت النساء. كما نحاول، كلّما سنحت الفرصة، أن يكون الصوت النسائي موجوداً وحاضراً. حتى على مستوى الرأي، لو أجرينا دراسة سريعة على في مساحات الرأي المختلفة في المصري اليوم، سنجد أن هناك نسبة جيدة من الكاتبات اللواتي يكتبن للصحيفة بشكل أسبوعي تصل الى 40% من الكتّاب الدائمين، ونجد أنها نسبة جيدة حتى الآن. 

نعتبر أن إعطاء المرأة المساحة الكافية يساعدنا على الوصول الى نسبة أعلى من الجمهور. مثلما نحاول أن يكون هناك دائماً تنوّعاً في الرأي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، نحاول أيضاً أن يكون هناك تنوّعاً جندرياً في المواضيع نفسها، ليكون صوت النساء حاضراً بشكل أساسي. 

س: كيف يمكننا العمل على التوازن الجندري في ظل بيئة إعلامية مضطربة من ناحية المشاكل المادية للمؤسسات الإعلامية والحد من حرّية الصحافة في عدّة بلدان في المنطقة العربية؟

في ظل المشاكل المادية الصعبة، يجب أن نتبع القاعدة العامة التي تحكم فكرة العمل. علينا أن نبحث عن الصحافيين أصحاب الموهبة والملتزمين في عملهم. هذه العناصر مهمة في مرحلة التكليف أو الترقية أو غيرها، بغض النظر عن نوع الشخص الاجتماعي. 

مهنة الصحافة مهنة تستلزم الكثير من التضحيات على مستوى الوقت والجهد وعدم القدرة على المحافظة على روتين تقليدي كالمهن الأخرى. بالتالي، في مجتمعنا العربي، تواجه النساء صعوبات مجتمعية واجتماعية صعبة تمنع العديد منهنّ من الترقّي لأنهن لا يمكلن مساحة الحرية نفسها التي يملكها الرجال. 

ومع ذلك، تبقى القدرة والكفاءة والموهبة المعيار الأساسي في العمل ونحاول دائماً أن نطوّر آليات الاختيار. 

مثلاً، في وقت من الأوقات، كانت تتم التعيينات في غرفة أخبار المصري اليوم عبر اختبارات عامة في اللغة والصياغة والمعلومات العامة. وكان تصحيح هذه الاختبارات يتم من خلال اخفاء إسم الشخص لضمان عدم الانحياز. وكان يتمّ اختيار الأشخاص الذين يتلقّون أعلى الدرجات للانضمام الى غرفة الأخبار بغض النظر عن الجندر.

في الوقت الحالي، بالرغم من أن الرجال يتولّوا معظم المناصب القيادية في المؤسسة ولكن هناك العديد من الزميلات اللواتي ترقّين لاستلام مناصب قيادية وكنّ على قدر المسؤولية وأدرنَ الأقسام والملاحق التي تولّين الاشراف عليها بامتياز. إذا استمرّينا في اختيار الأشخاص بحسب الكفاءة، ستحصل النساء عاجلاً أم آجلاً على نسبة متساوية في مراكز صنع القرار. 

س: برأيك، ما هي الطريقة الأنسب لتحقيق التوازن الجندري بالمحتوى الإخباري؟

برأيي، الطريقة المثلى لتحقيق التوازن الجندري في المحتوى الإخباري هي التركيز على تغطية ما يهمّ الناس داخل غرفة الأخبار. لو كان كلّ منّا يعمل على قصصه وموضوعاته وتحقيقاته بما يهمّ المجتمع بشكل عام، وليس كما يحدث في أوقات عديدة، بما يهم السلطة الرسمية، سنتمكّن من إيصال صوت النساء بشكب تلقائي. لو ركّزنا على ما يهم الناس، وهذا دور الصحافة الرئيسي، ستأتي القضايا التي تهتم بها النساء بشكل طبيعي. 

اذا تناولنا القصص بما يهم المجتمع، بالتالي سنتناول الكثير من القصص والموضوعات والتقارير التي تهم المرأة بشكل خاص لسبب أو لآخر. طالما أن النساء نصف المجتمع، اذا خدمت قصصنا المجتمع بشكل عام، ستكون بالتالي تخدم النساء بسهولة، دون الحاجة الى تحديد مواضيع تهم النساء فقط أو تهم الرجال فقط.

إن التركيز على المهنية والرسالة الأساسية للإعلام في الإخبار ومنح المعلومة وطرح القضايا التي تهم شريحة واسعة من الجمهور سيجلب قضايا المرأة داخله بشكل طبيعي أيضاً. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.