آثار كوفيد-19 على الصحفيات في مصر

كتبت- فتحية الدخاخني:

طفل يظهر في الخلفية في شاشة اجتماع العمل الصباحي، وآخر يصرخ منادياً أثناء مكالمة عمل مهمة، مخاوف من الفصل أو تقليل المرتّبات، مزيد من الأعباء ومزيد من الضغوط فُرضت على النساء في غرف الأخبار بعد أن أجبرهنّ ڤيروس كورونا المستجد (كوڤيد 19) على العمل من المنزل، وزاد من ضغوط غرف الأخبار على البعض الآخر. ورغم فرحتهنّ بالقرار الذي يوفّر نوعاً من الحماية لهنّ ولعائلاتهنّ، زادت  متاعبهن؛ فالعمل من المنزل ليس بالسهولة التي كنّ يتصوّرنها.

لم تكن دينا عبد العليم، رئيسة قسم المشاهدة والاستماع في موقع اليوم السابع الإلكتروني، تتخيّل أن العمل من المنزل يعني عملًا لساعات أطول، لكن هذا ما فرضه عليها ڤيروس كورونا المستجد (كوڤيد 19). وتقول دينا "أصبحت أعمل لفترات أطول. ففي السابق، كنت أعمل ساعات محدّدة في صالة التحرير، وأعود للمنزل ليقتصر عملي على متابعة بعض الأخبار العاجلة. أمّا اليوم، ومع العمل من المنزل، أصبحت أعمل تقريبًا على مدار ساعات اليوم، أراقب الشاشات والبرامج التي تستمر حتى السحور في رمضان."

وتصف دينا الحياة بعد الكورونا بأنها "بايظة" حيث يتداخل فيها كل شيء، مواعيد العمل، والطبخ، وتنظيف المنزل، ورعاية الأطفال، مشيرة إلى أنها "حاولت مع طول فترة العمل من المنزل تنظيم الوقت بعض الشيء، من خلال تحديد مواعيد للطبخ والتنظيف والأكل."

ومع بداية انتشار الڤيروس في مصر، واتخاذ الحكومة قراراً بتعطيل الدراسة وإغلاق الحضانات، في منتصف آذار/مارس الماضي، إتخذ موقع اليوم السابع قراراً يسمح بعمل الصحافيات الأمّهات من المنزل، تلاه قرار من الهيئة الوطنية للصحافة، بمنح جميع الصحافيات إجازة حتى انتهاء تعطيل الدراسة، وتخفيف عدد الصحافيين في صالات التحرير، وهو ما اتّبعته جميع الصحف والمواقع الإلكترونية في مصر بدرجات متفاوتة.

وتمارس دينا وزملائها في الجريدة، رجالاً ونساءً، تجربة العمل من المنزل حيث تدار كل الاجتماعات إلكترونياً، مع تواجد ممثل واحد فقط عن كل قسم في الجريدة لمتابعة سير العمل، يتم تحديده وفقاً لجدول يضعه رئيس التحرير، بحيث لا يتواجد في الجريدة أكثر من 30  صحافيًا على مدار اليوم، مقارنة بـ200  قبل الكورونا، بحسب دينا.

بينما سمحت المؤسسات القومية مثل الأهرام بعمل الصحافيات من المنزل، وتساهلت في تطبيق قواعد الحضور والانصراف بشكل غير رسمي، أثار ذلك مخاوف بعض الصحافيات من أن يتم استخدام هذا التساهل ضدّهنّ في المستقبل، بحسب بعض الصحافيات في الجريدة، حيث تقول صحفية رفضت ذكر اسمها، إنّ "الإدارة تتساهل معنا في الحضور والانصراف، فنظراً لكبر سن أطفالها، لا يشملها قرار العمل من المنزل، ولذلك فهي مضطرة للذهاب للعمل بانتظام".

وتضيف الصحافية: "العمل في ظل الكورونا أضاف أعباء مهنية كثيرة، فنحن مطالبات بصناعة قصص من لا شيء، ومطالبات بالتواجد في العمل في ظروف صعبة ومليئة بالمخاوف من انتقال العدوى. والأكثر من ذلك أن التساهل في تسجيل تواجدنا بالجريدة من عدمه يُشعرنا بالخوف على مستقبلنا. فالكل يعلم أزمة الصحف القومية، ونخشى أن نكون نحن الصحافيات أول من يطاح بهنّ لحل الأزمة ولتخفيف الأعباء المالية على المؤسسات القومية". 

الوضع في الأهرام إبدو، وهو أحد إصدارات المؤسسة باللغة الفرنسية، كان مختلفاً، فلا يمكن أن تحصل الصحافيات على إجازة بسبب كورونا، خاصة أنهنّ يشكلن نحو 90 في المائة من فريق عمل الجريدة. وتقول نسمة رضا، مساعدة رئيس تحرير جريدة الأهرام إبدو، أن "النساء يشكلن90  في المائة من العاملين في الصحيفة، وبالتالي فلم نستفد من قرارات منح إجازة للصحافيات، ولأصحاب الأمراض المزمنة في مؤسسة الأهرام." لكنها وزميلاتها استطعن ترتيب دورة العمل بحيث تكون في معظمها من المنزل، وإن كان ذلك يخلق بعض المشاكل والأخطاء بسبب ضعف التواصل. وتقول نسمة: "أحياناً نفاجئ بأخطاء في العدد نتيجة ضعف التواصل مع من ينفّذون رسم الموضوعات على الصفحات، ويخرجون المنتج النهائي. كما أن العمل من المنزل أفقدنا متعة الشغل الحي على الأرض."

ويعد الشغل الحي والمتابعات على الأرض أحد أبرز التحديات التي تواجه الصحافيات خلال فترة عملهنّ من المنزل بسبب ڤيروس كورونا، وهو ما يزيد من مخاوفهنّ من أن يتأثر تطورهنّ ومستقبلهنّ المهني بهذه الفترة، لو طالت عن ذلك.

ويقول جمعة حمد الله، رئيس قسم الأخبار بجريدة المصري اليوم،  إن "إنتاجية الصحافيات قلّت مع الكورونا والعمل من المنزل، خاصة فيما يتعلق بالقصص المصنوعة. فمعظم ما يقدّمنه الآن من تقارير يعتمد على البيانات الصحفية الرسمية وبعض المتابعات الهاتفية"، وإن كان هذا الرأي يختلف عن رأي مسؤول بمكتب إحدى الصحف العربية بالقاهرة، والتي فرضت على جميع العاملين بها، رجالاً ونساءً، العمل من المنزل، حيث يقول الصحافي الذي رفض ذكر اسمه، إن "إنتاج الصحافيات زاد مع عملهنّ من المنزل على عكس الصحافيين الذين تأثّر عملهم بشهر رمضان".

يعشق صحافيّو التحقيقات العمل الميداني. لذلك، فإنّ ڤيروس كورونا كان له تأثيراً سلبياً على مروى ياسين، نائبة رئيس قسم التحقيقات في جريدة الوطن، التي تقول: "العمل من المنزل عبر الهاتف يفقدني القدرة على وصف مشاعر الناس وأحاسيسها وتعابيرها. فأنا افتقد الشارع، وفي نفس الوقت لا أستطيع الخروج خوفًا على أولادي".

وتتمنى وفاء يحيى، صحافية مسؤولة عن تغطية أخبار التعليم في جريدة المصري اليوم، لو كان باستطاعتها النزول وتنفيذ متابعات صحفية على الأرض، وتقول إن "منح الصحافيات إجازة في فترة الوباء أمر جيد لكنه بالتأكيد يحدّ من تطورهنّ المهني"، لكنها ترى أنّ "العمل من المنزل له بعض المزايا، فهو يمنحها فرصة قضاء وقت أطول مع أولادها، كما يقلّل من حركتها واستخدام وسائل المواصلات العامة التي تزيد من مخاطر الإصابة بالمرض"، مشيرة إلى أنها "حولت ميزانية المواصلات الشهرية لزيادة باقات الهاتف والإنترنت المنزلي حتى تتمكّن من القيام بعملها".

وفرض العمل من المنزل عبئاً نفسياً على الصحافيات اللواتي شعرنَ بأنّهنّ أصبحنَ مُطالباتٍ بأن يفعلن كل شيء في وقتٍ واحد. فالأطفال الصّغار لا يستوعبون معنى أن هذا وقت للعمل، ممّا يتسبب في خلق مواقف محرجة أحياناً أثناء اجتماعات ومحادثات العمل، وإن كان هذا الأمر لا يفرّق بين صحافي وصحافية، فكلاهما يتعرّضان لمواقف مماثلة مع العمل من المنزل.

وتقول دينا "أنّ ابنيها ورد، ست سنوات، وصفي، سنتين، يحضران معها جميع الاجتماعات التي تعقد عبر الشبكة العنكبوتية. فابنها الأكبر يرغب في رؤية والده الذي يعمل في نفس الصحيفة، وعادة ما يكون حاضرًا للاجتماع من صالة التحرير، وطبعًا يحرص ورد على التلويح لوالده، وتوجيه بعض الأسئلة له خلال الاجتماع." في أحد الأيام، اضطرت دينا للاستعانة بأحد زملائها لكتابة تقرير نهاية اليوم لأنها كانت تحمل ابنها الصغير ولا تستطيع الكتابة، فاتصلت بزميلها في الجريدة، وأملت عليه التقرير عبر الهاتف.

من جانبها، تقول مروى أنّ "عملي في المنزل مع وجود أولادها الصغار بعمر ٤ و٧ سنوات ليس سهلًا، فالخلافات بينهما تزداد أثناء الحديث مع المصادر عبر الهاتف، ممّا يسبب بعض الإحراج أحيانًا." قد يتصور البعض أن ڤيروس كورونا لم يغير من طبيعة عمل الصحافي الحر، لكن هذا غير صحيح. تقول منى أبو النصر، صحافية حرة، إنها "تعمل بشكل حر من المنزل منذ نحو ثلاث سنوات، لكن الأمر مختلف في ظل الكورونا. ففي السابق كانت منى تستغل فترة وجود أولادها في المدرسة لإنجاز موضوعاتها الصحفية، كما كانت تخرج للقاء المصادر، وحضور الفعاليات أما الآن فالأولاد معها طوال اليوم، ولا يوجد فعاليات لتحضرها، وأصبح العمل مقصوراً على المكالمات الهاتفية".

وأثّر هذا على إيقاع العمل. فبدلاً من إنهاء التقرير الصحفي في ساعتين كما اعتادت في السابق، أصبحت منى تستغرق ساعات وأيام لكتابة التقرير، وتقول "اضطر أحيانًا للسهر لإنجاز الموضوع، ولا بد أن أنتج، فدخلي يعتمد على ما أنتجه من موضوعات وقلة الإنتاج تعني قلة الدخل."

وتضيف "تستهلكني اليوم الكثير من التفاصيل، مع طفليّ البالغين من العمر ٥ سنوات، و٨ سنوات، مما أثر على دخلي، والأهم على صفاء ذهني، فلم أعد قادرة على خلق الأفكار مثلما كنت في السابق. فقد تراجعت الأحداث والفعاليات، وأصبحت أفتش عن أفكار لموضوعات على هامش كورونا، ويزيد على ذلك ضغط الجودة. فبوصفي صحافية حرة، هناك مستوى معين للجودة لا بدّ من الالتزام به وإلا لن يتم نشر موضوعي الصحفي، وربما أخسر المكان الذي أتعامل معه."

اقتصر قرار عمل الصحافيات من المنزل في بعض الصحف على الصحافيات الأمهات، بينما كان على الصحافيات غير المتزوجات التوجه لمقر عملهنّ بصورة يومية، وهو ما تؤكده منة خلف، الصحافية في جريدة المصري اليوم، وتقول إن "ذهابها للعمل بشكل يومي يشعرها بالخوف والقلق، فهي تخشى أن تعود بالڤيروس إلى أسرتها، وتكون السبب في مرضهم. وكانت تفضل العمل من المنزل في هذه الظروف، خاصة وأنها تعمل في قسم الخارجي وهو قسم لا يتطلب التواجد بالجريدة".

تحدّ آخر تواجهه منة وهو أنه "نتيجة لعمل معظم الصحافيات من المنزل، يتصادف أحياناً أن تكون هي الصحافية الوحيدة في صالة التحرير التي يهيمن عليها الصحفيين، ممّا يعرضها أحيانًا لبعض المضايقات"، على حد تعبيرها. وتتحدث منة عن انتقاد عدد من رؤساء الأقسام لعمل زميلاتها من البيت. فقد تكرّر على لسانهم جمل مثل "الهوانم اللي قاعدين في البيت لا يرسلون موضوعات تستحق النشر"، وتساؤلات حول سبب عدم منحهم ميزة العمل من البيت.

تثير قرارات عمل الصحافيات من المنزل مخاوف من أن يتم تخفيض رواتبهنّ أو الاستغتاء عنهنّ في المستقبل خاصة في ظل الأزمات المالية المستمرة التي تعصف بالصحف المصرية، وفي ظل ضعف  الدور القيادي للنساء في غرف الأخبار المصرية، خاصة في الصحف اليومية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.