حوار مع أسيل طبّارة – الحائزة على جائزة الريادة التحريرية عام 2019

 أسيل طبّارة صحفية لبنانية مخضرمة، و الحائزة على جائزة برنامج النساء في الأخبار للريادة التحريرية لعام 2019. 

كيف بدأت مسيرتك المهنية في مجال الصحافة؟ 

في البداية، لم أكن أتوقّع أن أمتهن الصحافة، ولكن السياسة كانت شغفي منذ الصغر. عندما كنت في الثانية عشر من العمر، اندلعت الحرب في لبنان وأثّر ذلك على الوعي السياسي لدي. في ذاك العمر، بدأت بمتابعة الأخبار والاستماع الى الراديو وقراءة الصحف. اكتشفت أنني كنت مهتمّة بالأحداث السياسة وكنت أريد معرفة ما كان يحدث في العالم. عندما كنّا مراهقين، وعلى عكس الكبار، كانت الحرب مغتمرة بالنسبة لنا. في بعض الأحيان، كنا نخرج خلسة من المنزل لحضور مهرجانات واجتماعات سياسية، وكان ذلك بمثابة فعل ثوري كنّا نقوم به. كنّا نعيش التاريخ آنذاك.

بدأت بعدها بالتخصص في مجال الاقتصاد، ولكنني انتقلت لدراسة العلوم السياسية بعد فترة وجيزة. عندما كنت طالبة ماجيستير في الجامعة، عملت مع صحيفة لوريان لو جور لمدّة سنة قبل الانتقال للعمل لصالح وكالة الأنباء الفرنسية AFP عام 1996. في ذلك الوقت، كانت الوكالات الإخبارية الأجنبية توظّف شباب وشابات من لبنان لتغطية الأحداث اذ أن غالبية الصحافيون الأجانب كانوا يرفضون القدوم الى لبنان بسبب الحرب. تعلّمنا مهنة الصحافة بأصعب الطرق. كانت مسؤوليتنا الكبيرة نقل الخبر وإعلام الناس بما كان يحدث في بلدنا. عند انتهاء الحرب، أصبحت مدركة تماماً أنني أريد أن أكون صحافية وهكذا امتهنت الصحافة. 

ما هي التحديات التي واجهتك كصحافية؟ 

إن التحديات التي واجهتني، وتواجه الكثير من الصحافيين، هي المقدرة على البقاء مستقلّين وعدم الانجرار بالحملات الدعائية السياسية. تحاول هذه الحملات تغيير رأي الصحافيين. بالاضافة، على الصحافيين ألا يخافوا، ولكن بنفس الوقت، عليهم خلق توازن معيّن كيلا يعرّضوا حياتهم للخطر. وعلى المؤسسات الإعلامية دعم الصحافيين وتحضيرهم للمخاطر التي قد يواجهونها. 

برأيك، ما هي التحدّيات التي تواجه صناعة الإعلام اليوم؟ 

إن المشاكل المادية هي أكبر التحديات التي تواجه صناعة الإعلام اليوم. في منطقتنا، لطالما موّلت الأنظمة السياسية المؤسسات الإعلامية. بالتالي، تواجه الصحافة المستقلّة اليوم عدم القدرة على الاستمرار. أيضاً، عمل الكثير من الصحافيين لصالح الأنظمة السياسية و أثّر ذلك سلباً على صناعة الإعلام. إن مهنة الصحافة هي مهنة الصعوبات المستمرّة، وعلى الصحافيين ألا يسيروا على الطريق السهل. علينا إيجاد بديل لشكل المؤسسات الإعلامية بحيث يصبح القراء مستعدّون ليدفعوا ثمن تلقّي الأخبار. علينا اعادة اختراع صناعة الإعلام.  

من التحديات الأخرى التي تواجه الصحافة هي الأخبار الكاذبة. على الصحافيين العمل لمحاربة انتشار الأخبار الكاذبة على مواقع التواصل الإجتماعي. والأسوأ من ذلك، إن الأخبار الكاذبة ليست مشكلة مستقلة، اذ أن خوارزمية فايسبوك على سبيل المثال تُظهر لنا الأخبار والآراء التي تتلاقى مع طريقة تفكيرنا. وأجد ذلك خطيراً بما أنه يؤدّي الى الموت البطيء للرأي العام والرأي الآخر. بالاضافة الى ذلك، أدى ظهور صحافة المواطنة الى اعتقاد القراء أنهم ليسوا بحاجة الى الصحافة بعد الآن. ولا يلاحظوا أنهم ما زالوا بحاجة الى صحافيين موثوقين ومؤسسات إعلامية يثقون بها الا في حالات الأزمات السياسية. 

ما هي التحديات التي تواجه النساء تحديداً في مجال الإعلام؟

كوني من جيل الصحافيات الأقدم، يمكنني القول أننا اضطررنا في بعض الأحيان على التنازل عن بعض الخصوصية والأمان لنكون صحافيات. على سبيل المثال، عندما أصبحت أمّاً، لم أعد استطيع تغطية الأخبار من مواقع نزاع. وعلى عكسي، لم تتمكن الكثير من زميلاتي اللواتي قرّرن المضي في عالم الصحافة وتطوير حياتهن المهنية من الزواج أو الانجاب. لا يعيش الرجال في مجال الإعلام هذه المعضلة. صحيح أن العديد من الرجال اليوم أصبحوا يدعمون النساء في مجال الصحافة ولكن الوضع لا يزال صعباً على النساء الصحافيات. مثلاً، لم يتمكن أولادي أن يقضوا فرص الأعياد ونهاية الأسبوع كزملائهم اذ أنني كنت أعمل في أغلب الأوقات. 

ما هي أهمية التوازن الجندري في المؤسسات الإعلامية؟ 

من أهمية التوازن الجندري في المؤسسات الإعلامية هو أن بمقدور الصحافيات تحديداً الوصول الى معلومات حساسة عن المجتمعات المستضعفة أكثر من زملائهن الرجال. كنساء، لدينا حساسية عالية لنكون صوت الناس وكتابة تقارير حول شعور الناس ومعاناتهم. بسبب النساء اللواتي عملت معهن، اشعر أن النساء بشكل عام مهتمات أقل من الرجال بظهور أسمائهن ويركّزون أكثر على مخرجات المقالات التي يكتبنها. 

كما نرى اليوم، يزداد عدد الصحافيات النساء في المؤسسات الإعلامية. وقد يكون ذلك لأن مهنة الصحافة أصبحت أكثر خطورة. في السابق، كانت الصحافة مهنة ذات هيبة، وتؤمّن مدخولاً عالياً لذا كانت حكراً على الرجال. أما اليوم، العديد من النساء يمتهنّ الصحافة، ومن الجدير بالتفكير ما اذا كان تدنّي مدخول الصحافيين بشكل عام له تأثير على ذلك. بالإضافة، لم تعد مهنة الصحافة تتّسم بالهيبة والنفوذ كالسابق، لذا أصبحت تلفت النساء أكثر إذ أنهن بطبيعتهن متواضعات ويبحثن عن الحقيقة أولاً. أيضاً، لغالبية النساء القدرة علة مساءلة أنفسهن، والعمل على التطوّر الدائم. أجد أن العديد من النساء جدّيات وكادحات، وخاصة الأمهات منهنّ، فهنّ منظّمات كثيرة وبإمكانهن إنجاز مهام متعدّدة بنفس الوقت، وقد يكنّ قد تعلّمن ذلك من خلال الإهتمام بأطفالهن. 

ما هي النصيحة التي تقدّمينها للنساء الشابات اللواتي يردن أن يصبحن صحافيات؟ 

أنصحنّ بالتخصص بمجال معيّن، أو أي عمل يمكن أن يؤمّن لهنّ مدخولاً ثابتاً. إن الصحافة مهنة صعبة جداً، خاصة في يومنا هذا. عليهن تفادي العمل على الأخبار العامة والتخصص في مجال معيّن. أصبحت صحافة الأخبار العامة صعبة جداً وكما قلت سابقاً، علينا إعادة اختراع المهنة. 

أيضاً، أنصحنّ بتعلّم التقنيات الرقية والاضطلاع على الأساليب الحديثة لنقل الأخبار كالفيديو والبودكاست. يتغيّر كل شيء بسرعة وعليهنّ متابعة المستجدّات. علينا دائماً التفكير بمن يقرأ الذي ننشره، خاصة عمرهم لجذب الجيل الجديد. قد تكون التسجيلات الصوتية (podcasts) هي الطريقة الأحدث لنقل الأخبار. علينا أن نفكّر بطريقة جديدة. لدينا قصة علينا غخبارها، وبشكل صحيح مهما كانت الوسيلة أو المنصة التي نستخدمها. 

وأخيراً، أنصحنّ بتوخّي الحذر. تصبح مهنة الصحافة أكثر خطورة يوماً بعد يوم، خاصة وإن العديد من الصحافيين بحماسهم الزائد، يذهبون الى مناطق خطرة بدون أن يتلقوا أي تدريب على كيفية حماية أنفسهم، ويكونون مستقلين (freelancers) بغالبية الأحيان دون دعم من أية مؤسسة إعلامية، ويواجهون أحياناً الخطف أو القتل. وهذا شيء خطير جداً يحدث للصحافيين الشباب. على الصحافيين ألا يخاطروا بحياتهم، وعليهم تلقي تدريبات عديدة قبل تغطية مناطق النزاعات، وعليهم طلب الضمانة والدعم من المؤسسات الإعلامية. 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *